شريط الأخبار
الرئيسيةمقالات ← بين السياسي والأخلاقي في تطورات إقليم تغراي ! بقلم / عبدالرازق كرار
2021-01-27 عدوليس

بين السياسي والأخلاقي في تطورات إقليم تغراي ! بقلم / عبدالرازق كرار

الغضب الذي أعترى الساحة الإرترية رداً على تصريحات قيادي في اعلام التغراي (Tigray Media House) بأن من يقوم بالأعمال البربرية في تغراي هم أولئك الذين لديهم علامات في وجوههم (الشلوخ) والتي هي عادة عند مجموعات اثنية معروفة في إرتريا من الناطقين بغير التغرنية، هو غضب مبرر، وعلى التغراى أن يدركوا أنهم ليس في حاجة الى كسب عدوات جديدة، فلديهم من الأعداء داخل اثيوبيا وخارجها ما يكفي ويزيد. · حملة الغضب والاستنكار وأن أرسلت الرسالة المطلوبة في الوقت الحالي لكن لابد من فهم السياق الكلي لمثل هذه التصريحات التي لم تكن الأولى ولن تكن الأخيرة، وبالتالي يتطلب الأمر أكثر من حملة غضب اسفيرية في وسائل التواصل الاجتماعي.

إثيوبيا بشكلها الحالي دولة حديثة التكوين نتيجة للأطماع التوسعية للإمبراطور منليك الثاني )1889-1913م)، ودور منليك لم ينحصر فقط في توسيع الرقعة الجغرافية ورسم الحدود الحالية، بل تجاوز ذلك الى رسم هوية للدولة وهى الهوية الامهرية على حساب المكونات الأخرى.
· لم يكتف منليك بسلب التغراى السلطة السياسية ولكنه أيضاً بنى الإمبراطورية ذات الهوية الامهرية مرتكزاً على الإرث التاريخي للتغراى خاصة الحضارة الأكسومية ولاحقاً معركة عدوة التي هزم فيها إيطاليا في مارس 1896م.
· اغتصاب السلطة والتاريخ والهوية دائما شكل غصة في حلق النخب التغراوية، ولهذا ظلت تتنازعهم الاهواء بين الانتماء الى إثيوبيا إرث منليك الثاني، أو دولة مستقلة في إقليم التغراى.
· في ثورتهم الأولى (الوياني 1942-1943م) اختلف قادتها حول ما إذا كانت قضيتهم قابلة للحل داخل الكيان الإثيوبي أم خارجه، ولكن في النهاية مالت الغالبية الى المطالبة بحكم ذاتي داخل الكيان والعلم الاثيوبي، ولكن الامبراطور هيلي سلاسي مستخدما الطيران الملكي البريطاني استطاع حسم الثورة الأولى للوياني دون أن تحقق أياً من أهدافها سوى بذور الثورة في المخيلة الجمعية للتغراي.
· عندما بدأ الوياني ثورتهم الثانية (1975-1991م) فإن التنازع بين الحل داخل الكيان الاثيوبي أو خارجه ظل هاجساً رئيسياً، وقد ساهم تبنى اسم (الجبهة الشعبية لتحرير تغراى) مزيد من الغموض على الهدف الأساسي للتنظيم.
· لم يكن التنازع بين تحقيق المطالب داخل اثيوبيا أو عبر الاستقلال، أفكار فقط داخل مخيلة قيادات الوياني الأولى والثانية ولكن كان تياران يتصارعان داخل التنظيم، وقد تمظهر هذا الصراع بين التيارين في مانفستو التنظيم تحت اسم دولة تغراى الكبرى والتي تضمن جزء من الأراضي الارترية والذي ظهر في عام 1976م، ولعل أبرز القيادات التي كانت تبنى هذه الفكرة هو السيد سبحت ولدسلاسي (المعروف بسبحت نقا) والذي تم اعتقاله قبل أسابيع.
· موقف ملس زيناوي كان براغماتياً، أو رمادياً ان صح التعبير، وميالاً إلى ان الحل يفضل أن يكون ضمن إثيوبيا (الفيدرالية) ولكن أن تعذر ذلك لابد وأن يكون هنالك مخرج آمن (حق تقرير المصير للقوميات حتى الانفصال، والتي تمظهرت في المادة 39 من الدستور الاثيوبي لاحقاً) وهكذا رجح ملس كفة الحل داخل اثيوبيا وأضعف ذلك كثيراً التيار القومي بقيادة سبحت نقا.
· أيضاً مما ساهم في إضعاف التيار القومي المنادي بالاستقلال داخل الجبهة الشعبية لتحرير تغراى، علاقة التنظيم مع الثورة الارترية سواء كان ذلك جبهة التحرير الارترية أو الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا، واللتان كانتا تريا أن المناداة باستقلال التغراى ومساواتها بمطالبة الثورة الإرترية بالاستقلال سوف يضعف الأخيرة وأن المسألتين الإرترية والتغرواية مختلفتان اختلافاً جوهريا فمشكلة إرتريا هي مشكلة استعمار خارجي ومشكلة التغراى هي غياب العدالة داخل الدولة القطرية.
· بسبب هذا التنازع داخل المخيلة التغرواية بين العمل داخل اثيوبيا أو خارجها، وصراعات النخب، واسم التنظيم ذو الدلالات المبهمة تأخر دخول قوات التنظيم الى أديس ابابا في مايو 1991م، حيث اعتبر بعض قيادات وكوادر وجنود التنظيم أن مهمتهم تتوقف بتحرير أقليم تغراى. · في ظل قيادة الراحل ملس زيناوي وبحكم سيطرته الكاملة على مقاليد التنظيم والدولة ومقدرته على إدارة التناقضات تراجعت الرغبة القومية داخل مخيلة النخب التغرواية خاصة مع الامتيازات الكبيرة التي اتاحها لهم تواجدهم في المركز وما يرتبط به من سلطة وثروات، وهى امتيازات لم يكن يحلمون بها.
· ولكن رغم سيطرة التغراى الكاملة على مقاليد السلطة والثروة في اثيوبيا، كانوا دائما في عقلهم الباطني لأسباب نفسية وسياسية مشغولين بقضية يعتبرونها جوهرية وهى تحسين صورة الشخصية التغراوية في المخيلة الارترية خاصة سكان الكبسا.
· ولأن هذه المحاولات لتحسين الصورة كانت قد تضررت بشكل كبير نتيجة للحرب الارترية الاثيوبية 1998-2000م، وتداعياتها خاصة طرد معظم الارتريين الذين كانوا يقيمون في اثيوبيا وتجريدهم من ممتلكاتهم، فإن قيادات التغراى بدأوا حملة لترميم هذه الصورة وتحسينها من خلال التواصل مع كل من يستطيعون من سكان الكبسا بما فيهم أولئك الذين لديهم تحفظات عليهم، خاصة من القيادات السابقة في الجبهة الشعبية إرتريا، هذا فضلا عن احتضان المعارضة الإرترية.
· وفي هذا المسعى أهتم التنظيم باللاجئين الارتريين في اثيوبيا وأتاح لهم فرص التعليم ومرونة الحركة والعمل أحياناً (على قلة الفرص في اثيوبيا) وهكذا بدأت الصورة النمطية السلبية للتغراى في المخيلة الكبساوية تتغير تدريجياً، وقد ساهم سفر أعداد كبيرة من اللاجئين الإرتريين عبر برنامج إعادة التوطين أو بطرق غير مشروعة الى أوروبا وأمريكا في تحسين هذه الصورة واستخدامهم الكثيف لوسائل التواصل الإجتماعي، وبدأ بعض الإرتريون من سكان الكبسا يعتزون بأصلهم التغراوي، خاصة مع التقدم الذي شهدته اثيوبيا عامة وإقليم التغراي على وجه الخصوص، مقارنة بتوقف الحياة في إرتريا.
· ضمن هذه المساعي جاء الاعتذار الاثيوبي عن الممارسات الاثيوبية المتمثلة في الطرد الجماعي غير المبرر ونهب الممتلكات الخاصة بالإرتريين وابداء اثيوبيا رغبتها في إعادة الممتلكات لأصحابها، خاصة وأن الغالبية العظمى من المبعدين والذين نهبت ممتلكاتهم هم من الذين ينتمون الى مجتمع الكبسا.
· أثمرت هذه الجهود وبدأت الظلال السلبية المرتبطة بالوياني تختفي رويداً رويداً في المخيلة الارترية خاصة المتواجدة في اثيوبيا أو الخارج، برغم اعلام النظام الإرتري والذي حاول جاهداً إبقاء الصورة النمطية لأهداف خاصة به، ولكن تراخي قبضة النظام الإرتري أضعف تأثير خطابه إلا في الدوائر الخاصة به مثل شباب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة والاعلام المرتبط بهم، بالمقابل ظهر اعلام إرتري معارض للنظام متعاطف مع التغراى ومتصالح مع الهوية التغراوية. · بعد رحيل ملس زيناوى بدأت التيارات القومية داخل التغراى تستعيد نفوذها، وأصبح التوجه نحو تحسين الصورة وكسب تعاطف مكونات الشعب الإرتري خاصة الكبسا ليس حاجة نفسية بل استراتيجية ذات أبعاد سياسية.
· خسارة التغراى للسلطة المركزية في اثيوبيا وإنكفائهم على اقليمهم أضعف كثيراً التيار الذي يرى الحل داخل اثيوبيا، وقويت شوكة التيارات القومية وتوسع نفوذها مستفيدة من حالة الاستهداف التي تعرض لها بعض التغراى المتواجدين في الأقاليم الأخرى وحالة الإحساس بغريزة البقاء المقاومة الناتجة عن ذلك، هكذا بدأت النخب التغراوية حملة محمومة لمغازلة الشعب الإرتري عامة والنخب الكبساوية على وجه الخصوص، وقد حاولت تسخير اتفاق السلام بين آبي أحمد وأسياس أفورقي وفتح الحدود لهذا الغرض حيث بدأت حملات العلاقات العامة لترميم العلاقة بين الشعبين، كما بدأت في دعم التيارات التي تتبنى الهويات والمشروعات العابرة مثل أقعازيان والمستقبل المشرق وغيرها.
· أسياس أفورقي المدرك لهذه الابعاد جيّداً والذي كان له هدف مركزي من توقيع اتفاق السلام مع آبي أحمد والمتمثل في القضاء على الجبهة الشعبية لتحرير تغراي، فوت عليهم الفرصة حيث قام بإغلاق المنافذ البرية وإيقاف النشاطات الشعبية العابرة للحدود.
· في ظل انتشار وسائط التواصل الاجتماعي وتواجد عدد كبير من الإرتريين خاصة من الكبسا خارج إرتريا لم تعد فكرة الوطن هى أرض ومزرعة وجيران ومصالح اقتصادية، انما هوية مرتبطة بفكرة متوهمة مرتبطة بالتاريخ وتخاطب أزمة الهوية التي يعيشها معظم من يعيشون خارج أوطانهم، فبينما تستجيب فكرة الانتماء الى الوطن البديل لقضايا المعيشة والاحتياجات المادية ولكنها غير كافية لسد الحاجة النفسية للوطن والانتماء والهوية.
· وبتحول الوطن الى فكرة متخيلة تقوم على هوية، وجدت فكرة الجذور القئزية او الهوية الاكسومية والتي تتوافق مع مشروعات التيارات القومية داخل الجبهة الشعبية لتحرير تغراى والمدعومة من قبلهم رواجاً كما كان مشاهداً في الأعوام الماضية.
· بعد حملة ما عرف (بإنفاذ القانون) والتي بدأت في الرابع من نوفمبر 2020م، وهزيمة الجبهة الشعبية لتحرير تغراى، إنقطع الحبل السري الذي يرتبط معظم نخب التغراى مع الهوية أو الدولة الإثيوبية على الأقل على المستوى النظري أو الرغبوي، والبديل هو الدولة القومية القائمة على فكرة الجذور القئزية او الهوية الاكسومية.
· لهذا فإن تحميل الانتهاكات التي يقوم بها الجيش الإرتري في تغراى لمكونات إثنية ذوي سمات جسدية مميزة (الشلوخ في هذا الحالة) هو خطاب ذو بعدين، فهو من جهة تفكير رغبوي يستشعر الوحدة الشعورية للمكون المحتمل للدولة القومية وبالتالي لا يمكن لهذا المكون من الطرف الإرتري أن يتسبب في الأذى لنفسه أو بعضه، ومن جهة أخرى هو تمييز (للآخر) الذي لا يرجى منه التعاطف مع هذا المشروع/المكون إن لم يكن عدو يجب استئصاله أو تحجيمه على أقل تقدير. · ثورة (الوياني الثالثة) هذه المرة لن تتأرجح بين الحل داخل الكيان الاثيوبي أو خارجه، إذ انها في الغالب سوف تتبنى مشروع الدولة القومية للتغراى، وإن كان هذا الهدف على المدى البعيد قابل للتحقيق (إرادات الشعوب تنتصر في النهاية) لكن على المديين القصير والمتوسط فإن هنالك عوائق كثيرة تعوق دون هذا المشروع مثل التوجه المركزي للدولة الاثيوبية بقيادة نخب الأمهرا التي عادت بقوة الى ساحة السلطة، وأيضا اسياس أفورقي، والتوجه الدولي المبنى على تماسك الدولة الاثيوبية (وحدتها مهما كان الثمن).
· تواجد القوات الإرترية في تغراي هو حقيقة لا يحتاج الى أدلة، فبغير القوات الإرترية ومليشيا الأمهرا لن تصمد القوات الفيدرالية كثيراً امام المقاومة المتزايدة للتغراى، وهذا التواجد بالرغم من الانتهاكات والقلق الدولي والشكوى المتكررة من قبل الأجهزة المعينة من قبل الحكومة الفيدرالية لإدارة إقليم التغراى، ولكن آبي أحمد لا يملك الإرادة كما انه ليس من مصلحته إخراجهم، إذ انتصار التغراى يعني ليس نهاية آبي أحمد فقط ولكن أيضا ربما نهاية أسياس أفورقي أيضاً لأنه ليس هنالك أسوأ من انتقام الأسد الجريح، ولن تخرج القوات الإرترية إلا إذا ضمن أسياس أفورقي سحق المقاومة التغراوية وتركيع قواه الحية القادرة على المقاومة، ولهذا سوف يمنع آبي أحمد بقدر ما يستطيع فتح الأبواب للمنظمات الدولية للتحقيق في الجرائم أو التواجد الإرتري.
· تواجد القوات الإرترية في التغراى لم يأت لمصلحة إرتريا أو أمنها القومي بقدر ما هو من أجل أهداف تخص أسياس أفورقي وبالتالي تواجدهم وجرائمهم في تغراى يفترض ان تكون محل إدانة كاملة والمطالبة بسحب هذه القوات الى الحدود الدولية الإرترية وفق ما نصت عليه قرارات لجنة التحكيم الدولية والتي يعتبر حكمها نهائيا وملزماً باتفاق إرتريا وإثيوبيا وشهادة المجتمع الدولي.
· أي جرائم ارتكبتها القوات الإرترية هي جرائم مدانة ولا يوجد أي سبب أخلاقي او سياسي يمنع إدانة هذه الجرائم، ضد الأبرياء والعزل من شعب التغراى، والإدانة بشكل أساسي يفترض أن تكون الى القيادة التي أمرت الجنود بالدخول الى تغراى وممارسة هذه الانتهاكات والتي سوف تظل عالقة في الذكرة الجمعية للشعوب.
· محاولات نخب التغراي لاستغلال تواجد القوات الإرترية في أراضيهم ضمن مشروعهم الرغبوى للدولة القومية من خلال خطاب انتقائي يحمل المسئولية لبعض المكونات هو خطاب وسلوك مرفوض، ولا يساعد قضيتهم وعلى النخب العاقلة في التغراى أن تدرك مغزى ذلك وتتوقف عن هذا الخطاب الهدام، وتوجه خطابها الى النظام الإرتري الذي أختار توقيت المعركة وانتصر فيها بدلا من المحاولات البائسة لتحميل هذه الانتهاكات لمكونات تعتقد أنها لا تتسق ومشروعها القومي.
· ولكن إدانة هذا الخطاب الهدام، وهذا المشروع الرغبوى لبعض نخب التغراى التي خسرت المعركة حتى الآن، يجب أن يكون إدانة متمايزة عن خطاب النظام الإرتري، ولهذا يجب إدانة النظام الإرتري في زجه بالجيش الإرتري في الشأن الإثيوبي، مدركين جيّداً انه تدخله لم يكن ابدا حرصا على سيادة إرتريا أو حماية لها أو تحقيقا لمصالحها أو التصدي لمشروعات تضر بأمنها القومي، فتلك القضايا لم ولم تكن في أولويات اسياس أفورقي.

إخترنا لكم

الجيش الاريتري وتهم ارتكاب فظاعات في تقراي !! بقلم / فتحي عثمان

في السنة الثانية والأخيرة من امتحانات الماجستير، خاطبنا أحد الأساتذة مودعا: " لقد تعلمتم معنى الحروب ومآسيها، فأخرجوا الآن للحديث عن السلام ومحاسنه." وبقدر ما بدت نصيحته أبويه حادبة فقد كانت أيضا تعكس روح الثقة في التأهيل الذي قدمه المقرر المستحدث في الجامعات حينها، وهو تخصص دبلوماسية السلام والتنمية المستدامة، وهو تخصص يقوم على إعادة بناء المجتمعات بعد الحروب عبر استخدام المناهج المتداخلة: الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني "إتفاقيات جنيف لحماية المدنيين أثناء النزاع المسلح والبروتوكولات الإضافية" والعلوم الإنسانية. واستجابة لنصيحة معلمي سأقدم مساهمة تحت عنوان المقال أعلاه، وهي ليست مساهمة العالم الخبير، ولكن جهد الطالب الفكير.


المزيد   

النشرة البريدية

إشترك في نشرتنا البريدية ليصلك جديد الموقع إسبوعيا على بريدك الألكتروني.