بين رجالات حرب عصابات القرن الماضي وضعف المعارضة
7-Apr-2005
جمال همت
دولة لم تكتمل وعلى مفترق طرق ؟! قد يصلح ذلك لعنوان توصيفي عريض لما تمر به إرتريا اليوم . دولة لم تكتمل ملامحها وبانياتها الأساسية ، و14عاما لا تكفي قطعا لقيام دولة ، رغبة شعب ناضل لثلاثة عقود ومساندة أشقاء وأصدقاء كان كفيلا بوضع الأساسيات والبانيات الأولى ، ولم يكن بالضرورة أن تمر البلاد بنفس المراحل التي مرة بها الشعوب الأخرى لقيام الدولة
لكن خلط مهام الدولة بنظام الحكم بحيث تغلب الأخير وتغوله أعاق كل شيء حتى أصبحت بطاقة الحزب أهم من البطاقة الشخصية في معظم المعاملات . جهاز من العسكريين المحترفين من رجالات حرب التحرير وبقايا الفئات المنبوذ اجتماعيا والي خدمة نظام حكم العقيد منقستو هيلي ماريام الاحتلالي سيطرة على مرافق الدولة الضعيفة أصلا وطوعتها لتخدم نظام الحكم بعد إن أفرغتها من مضمونها ، ومعظم هولاء الرجال حظهم الأكاديمي متواضع لأسباب مختلفة ويدارون من عدد من المعتوهين اجتماعيا . وأول صدام بين عقلية رجال العصابات ومكوناتها من بقايا المفاهيم الماركسية الفطيرة والأكاديميين والتكنوقراط كان عشية التحرير عندما تداعى عدد من هؤلاء إلى مؤتمر لتقديم المشورة ووضع إمكاناتهم العلمية تحت تصرف الدولة الوليدة فكان إن رفض الرئيس اسياس كل نتائج المؤتمر واعتبرها تخاريف أكاديميين لا يعرفون الواقع الإرتري ، ثم اتبع ذلك بخطابه الشهير في عيد الشهداء في 20يونيو 19992م وفيه رفض مشاركة كل القوى التي ناضلت في عهد الاستقلال بحجة عدم نقل صراعات مرحلة التحرر إلى عهد الدولة !!! . ليتكرر قانون قديم حكم الساحة الإرترية المناضلة آنذاك وأدى إلى حروب أهليه قاسية كما انه اقفل الباب على الرأي الآخر الى حين وأول من عان منه السيد اسياس نفسه وتنظيمه ( قوات التحرير الشعبية ) وفيما بعد الجبهة الشعبية الحزب الحاكم الآن ، لتتولى الكوارث ولتفضي بإرتريا إلى مفترق طرق واليكم الوقائع :داخليا تكرست الشمولية الحزبية لتؤكد إن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة ، ولأن حجب الحريات لايتجزء فقد طال العديد من رجالات الحزب الحاكم وأدى بهم إلى غياهب السجون فقد اتهم اكثر من 15عضو قيادي بتهمة الخيانة العظمى منهم وزراء وسفراء وعسكريين كبار من رجال الصف الأول ولم يعرف مصيرهم حتى الآن ومعهم المئات من مناصريهم أو ممن يشك انه معهم من الكتاب والصحفيين والأدباء وعسكريين ورجال أمن ….. الخ . وقبلهم العشرات من رجال الاستقلال من مختلف التنظيمات الذي تغلبت عليهم عاطفة الوطن على حب التنظيم منهم محمد إدريس أبو عجاج ومحمود ديناي ومحمد عثمان داير وودباشاي ووولدماريام بهلبي وبين هؤلاء وأولاء المئات من رجال الدين الإسلامي والمسيحي وطلاب المعاهد الإسلامية و….. القائمة تطول . ثم تحرز إرتريا المرتبة الأولى في انسلاخ السفراء والدبلوماسيين ، ليتوالى مسلسل الهروب ليشمل هذه المرة كل شرائح المجتمع الإرتري ليعبر الحدود الإرترية السودانية المئات من الشباب والأطفال وجلهم من أبناء المرتفعات الإرترية وهذا يعني خروجهم عن مستقبل التنمية مستقبلا ، هذا الزحف دفع بالمفوضية العامة لشوؤن اللاجئين لإعلان حالة الطوارئ واعادة ملف اللجوء الإرتري مرة أخرى وان بشكل غير رسمي بعد أن أعلن رسميا إغلاق في نهاية ديسمبر 2004م ، كما أن ولاية كسلا وعبر اعلى مراجعها الرسمية عبرت عن قلقها من تزايد هذه الظاهرة اتخذت الاحتياطات المرعية لإغاثة هؤلاء .اقتصاديا فأن سياسة عسكرة الشعب وتجييشه أدت بالقطع إلى شل كل مرافق الحياة ، هذا بجانب السياسات الاستثمارية المنفرة وسيطرة رأسمال الحزب الحاكم من شركات ( البحر الأحمر وسقن وأزرعه كالاتحادات الفئوية خاصة الشباب والمرأة وأزلام الحكم على السوق مما افقد حتى التاجر الصغير القدرة على الحركة ، وإذا أضفت الى كل ذلك سطوة الاستخبارات العسكرية وأجهزة الأمن الأخرى على التجارة الحدودية . وآخر الأخبار تتحدث عن منع تداول العملة الصعبة في السوق وحصرها على الشركات الحكومية ، كل هذا يؤشر إلى لااقتصاد بالمعنى المتعارف عليه في إرتريا ، وقطعا لااقتصاد ولااستقرار دون أمن فقد تصاعدت لهجة اللجوء الى العنف في الخطاب الرسمي الإرتري مما دفع بأكثر من مسؤول أممي الى التحذير وإبداء القلق من اندلاع حرب جديد بين إرتريا وأثيوبيا خاصة عندما أصبحت الحركة العسكرية على ضفتي الدود مكشوفة ومعلنة ، وقد تسربت في الآونة الخيرة أخبار عن تنقلات داخل الوحدات العسكرية ومنح صلاحيات أوسع لقادة الوحدات العسكرية وزيارات سرية متكرر للرئيس اسياس الى جبهات القتال ، مما ضاعف من القلق الشعبي وشل ما تبقى من قدراته ، لذا اصبح يدفع بفلذات أكباده نحو الحدود . الشعب الإرتري القليل العدد والمنهك والذي لا يملك من الخبرات سوى تجربة (حرب العصابات التي تجاوزها الزمان ) لا يتوقع منه لاثورة برتقالية كالتي حدثت في أوكرانيا ولا تلك الصفراء التي أدت الى طرد عسكر عكاييف من غرقيزستان ، بغياب منظمات المجتمع المدني وخبرة حركة العصيان المدني . ليست هذه كل الصورة فتضاعيفها اكثر مأساوية ، وما ستكشف عنه الأيام سيكون مذهلا اكثر . في هذا البلد الموزع بين جبهات القتال ورهق تصاريف الحياة اليومية ومدن المنافي واللجوء وبين حفنة من رجال القرن الماضي من رجال العصابات والمعتوهين ماذا ينتظر هذا الشعب ؟ يقول مراقب : ( ربما هرب الرجل وترك البلد نهبا لأهواء هؤلاء الرجال ونزعاتهم المريضة خاصة بغياب معارضة فاعلة وقوية . وعند حدوث ذلك كل الاحتمالات مفتوحة بما فيها الحرب الأهلية ) . فهل هذا مصير شعب مناضل ؟ .