مقالات

من يحمي من في حرب امريكا واسرائيل على ايران؟

لسان الدين عثمان

إن المواجهات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست وليدة اللحظة، بل تمثل امتدادا لمسار طويل بدأ مع انتصار الثورة الإيرانية عام 1979م. فمنذ ذلك التاريخ، اتجه الطرفان إلى اعتماد أسلوب الحروب بالوكالة لإلحاق الضرر ببعضهما البعض. ويمكن قراءة الحرب العراقية–الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات في هذا السياق، كما يمكن إدراج المواجهات التي اندلعت في بيروت عام 1982 بين حزب الله وقوات المارينز، إضافة إلى الحروب المتكررة بين إسرائيل وحزب الله، والتي لا تزال مستمرة الى هذا اليوم ويعاني اللبنانيون والفلسطينوين من تداعياتها الى هذه اللحظة.

ومع مرور الوقت، تعرض وكلاء الطرفين إلى استنزاف متبادل. وفي المقابل، شعرت إسرائيل بأنها حققت تفوقا نوعيا في الحروب التي خاضتها خلال السنوات الثلاث الماضية ضد حركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان. كما عززت ثقتها باعتقادها أن النظام الدولي الجديد، بقيادة الولايات المتحدة، بات مهيأً لدعم مصالحها وأهدافها الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، اتخذت إسرائيل وامريكا قرارا بشن هجوم مباشر على إيران في 13 يونيو 2025، استمر اثني عشر يوماً. استخدمت فيه أمريكيا قاذفاتهاالاستراتيجية الفائقة الدقة والقدرة على التدمير مثل B2. 

الهدف المعلن لذلك الهجوم كان القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وبالفعل أعلن الطرفان بعد تنفيذ ضربات مكثفة على مواقع نووية إيرانية، أنهما تمكنا من إنهاء البرنامج النووي الإيراني بالكامل، وأنه لم يعد قائما.

غير أن التطورات لم تتوقف عند هذا الحد. فقد انتقل مسار التصعيد إلى محاولة تغيير النظام الإيراني عبر استهداف رأس الدولة وكبار المسؤولين. وبذلك تكون الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران يوم 28 فبراير لتدخل الشرق الأوسط في مرحلة جيدة من الصراع القديم المتجدد. فقد وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه سوف يضع حدا “للتهديد الأمني الذي تمثله ايران لواشنطن ويمنح الإيرانيين فرصة للإطاحة بحكامهم”.

ورغم مقتل شخصية سياسية ودينية بارزة بحجم آية الله علي خامنئي، إضافة إلى عدد كبير من الوزراء والمسؤولين العسكريين والأمنيين، فإن النظام الإيراني لا يزال قائما، ويستمر في الرد بما يملكه من قدرات، رغم عدم تكافؤ القوة بينه وبين الولايات المتحدة وإسرائيل.

فبغض النظر عن خلفيات هذه الحرب واهدافها الخفية والمعلنة، فان النقطة التي يركز عليها هذا المقال بشكل أساسي تتعلق بالاعتداءات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي الست بعد الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، والدور الذي تضطلع به القواعد الأمريكية في هذه الدول في حماية أراضيها. وكذلك تغير مفاهم العمق الاستراتيجي وأهمية البعد الجغرافي في الحروب والذي يستدعي اقامة قواعد في مختلف المواقع الاستراتيجية لحماية المصالح والحلفاء في ظل التقدم التكنولوجي الذي غدا عنصرا يحظى بأهمية اكبر من الجغرافية. 

فقد تعرضت دول الخليج ، التي كانت تحذر من الخيار العسكري وتعارض الهجوم على إيران، منذ السبت الماضي ( 28 فراير 20236)، لسلسلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، استهدفت منشآت اقتصادية ومدنية ومصادر للطاقة النفطية وحقول إنتاج الغاز. وأدت هذه الهجمات إلى توقف الإنتاج في بعض الحقول، في ظل إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز ومنع مرور السفن المحملة بالنفط والغاز.

والملفت في سياق هذه المواجهات، هو أن دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية وبريطانية وفرنسية بأحجام متفاوتة، وترتبط باتفاقيات دفاع، لا سيما مع الولايات المتحدة، شهدت تقليصا في الوجود العسكري الأجنبي داخل هذه القواعد، مع سحب عدد كبير من الرعايا قبل وقوع الهجمات، تحسبا لاستهدافها بعمليات انتقامية إيرانية. ووفق هذا الطرح، تُركت دول الخليج لتواجه بمفردها الردود الإيرانية.

وخلال الأيام الماضية، اعتمدت دول الخليج على قدراتها العسكرية الوطنية في التصدي للهجمات الإيرانية على منشآتها المدنية والاقتصادية، وحققت نجاحات كبيرة في ذلك، في وقت غاب فيه أي دور واضح لهذه القواعد الأجنبية، سواء في الدفاع عن هذه الدول أو حتى في حماية نفسها.

والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه يتعلق بمبررات وجود هذه القواعد. إذ يتبادر إلى أذهان كثير من المواطنين الخليجيين سؤال مفاده: من يحمي من؟ هل دول الخليج هي التي تحمي هذه القواعد، أم أن هذه القواعد وجدت أساسا لحماية تلك الدول؟

نعم ايران تنتهك سيادة الدول الخليجية الست، وتنتهك القانون الدولي وعلاقات حسن الجوار، الا انها تؤكد في الوقت ذاته، بأنها لا تستهدف هذه الدول، بل تحترم سيادتها، وتربطها بها علاقات طيبة، وتدرك أنها لم تكن طرفاً في الحرب، لكنها ترى أنه لم يعد أمامها خيار سوى استهداف القواعد الأمريكية ومصالحها في هذه البلدان.

وفي ضوء ما يشاهده المواطن الخليجي من واقع المواجهة، ومن اعتماد دوله على قواتها المسلحة في التصدي لهذه الاعتداءات، ونجاحها في التصدي للهجمات التي تقول ايران بانها موجهة الى القواعد الامريكية، يبرز السؤال مرة أخرى حول جدوى استمرار وجود تلك القواعد، التي باتت عبئا على هذه الدول وسببا مباشرا في انتهاك سيادتها، في وقت لا تضطلع فيه بالمهام التي أُنشئت من أجلها.

ومن ناحية اخرى فان الحروب في القرن الحادي والعشرين لم تعد تدار وفق القواعد الكلاسيكية التي حكمت صراعات القرون الماضي. فمفاهيم مثل العمق الاستراتيجي، وخطوط الإمداد البرية، والسيطرة على المرتفعات، لم تختفِ تماماً، لكنها فقدت احتكارها لمعادلة الحسم. التطور التكنولوجي المتسارع، لا سيما في مجالات الاستشعار الفضائي، والذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، أعاد تعريف معنى القوة العسكرية. وقد برز هذا التحول بوضوح في الصراعات الإقليمية المتصاعدة منذ أحداث 7 أكتوبر 2023، التي ارتبطت بهجوم نفذته حركة حماس، وما تبعه من حرب إسرائيلية واسعة على قطاع غزة، وتوسّع رقعة التوتر لتشمل جبهات متعددة ذات صلة بإيران وحلفائها الإقليميين.

الجغرافيا، التي كانت في السابق عنصرا حاسما في تقرير نتائج الحروب، تراجعت أهميتها في ظل القدرة على تجاوز المسافات عبر الفضاء الجوي والرقمي. فالدولة التي تمتلك منظومات أقمار صناعية متقدمة، وقدرات اعتراض إلكتروني، وشبكات استخبارات مترابطة، لم تعد مضطرة لاجتياز الحدود التقليدية لتحقيق أهدافها العسكرية. المجال العملياتي أصبح ممتداً من الأرض إلى الفضاء السيبراني، ومن ساحة المعركة إلى البنية التحتية الرقمية للخصم. إن القدرة على الرصد اللحظي، وتحليل البيانات الضخمة، وتحديد الأهداف بدقة متناهية، قلصت من فاعلية التحصينات الجغرافية الايرانية وحلفائها مثل حزب الله، ولم تعد حصانة للاعماق الاستراتيجية التي غدت عرضة للاختراق بفضل التقدم التكنولوجي. وما يؤكد هذا، عدم حاجة امركيا لهذه القواعد في هجومها على ايران، خاصة بعد رفض كل الخليج استخدام اراضيها للهجوم على ايران، ومع ذلك تستخدم للاعتداء على دول الخليج. 

في هذا السياق، يُعد التفوق الجوي والتكنولوجي أحد أهم عناصر إعادة تشكيل ميزان القوة. فالقوات الجوية الامريكية تمثل نموذجا لدمج التكنولوجيا المتقدمة ضمن عقيدة عسكرية قائمة على الضربات الدقيقة والقدرة على العمل بعيد المدى. استخدام الطائرات الشبحية، والطائرات المسيّرة المسلحة، وأنظمة القيادة والسيطرة القائمة على الدمج الفوري للمعلومات الاستخبارية، يعكس انتقالا نحو نمط من “الحرب الشبكية” التي تتكامل فيها أجهزة الاستشعار مع منصات الإطلاق ضمن منظومة واحدة. التفوق الجوي هنا لا يقتصر على السيطرة على الأجواء، بل يمتد إلى تعطيل دفاعات الخصم، وإضعاف بنيتة الاتصالات، وفرض إيقاع العمليات عليه.

فالهجوم الإلكتروني المعروف باسم Stuxnet عام 2010، الذي استهدف منشآت نووية إيرانية، شكل سابقة مبكرة لتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مواجهة استراتيجية. منذ ذلك الحين، باتت المواجهة بين إسرائيل وإيران تتخذ أبعادا غير مرئية، تشمل اختراق شبكات، وتعطيل أنظمة، وتتبع إشارات اتصال، واستخدام خوارزميات متقدمة لتحليل الأنماط السلوكية. هذا النمط من الصراع يتيح استهدافا فرديا عالي الدقة، ويقلص الحاجة إلى مواجهات عسكرية واسعة النطاق.

غير أن التفوق التكنولوجي، رغم فعاليته العملياتية، لا يعني بالضرورة حسم الصراع استراتيجيا. فالتجارب الحديثة، من أفغانستان إلى أوكرانيا، الى حرب اسرائيل على غزة ولينان، أظهرت أن القدرة على توجيه ضربات دقيقة لا تكفي وحدها لفرض نتائج سياسية نهائية. الإرادة السياسية، والبيئة الاجتماعية، والقدرة على الصمود والاستنزاف، تبقى عوامل مؤثرة في تحديد مآلات النزاع. التكنولوجيا قد تُرجح الكفة في المدى القصير، لكنها لا تلغي تعقيدات الهوية، والتحالفات، والشرعية الدولية.

من منظور نظريات العلاقات الدولية، يمكن قراءة هذا التحول في إطار ما عُرف بـ “ثورة الشؤون العسكرية”، حيث يؤدي الابتكار التكنولوجي إلى إعادة صياغة العقائد القتالية وبُنى القيادة. كما يمكن تفسيره ضمن الواقعية الهجومية، التي ترى أن الدول تسعى إلى تعظيم قوتها لضمان بقائها في بيئة دولية فوضوية. في هذا الإطار، يشكل التفوق الجوي والإلكتروني وسيلة لتعزيز الردع، وفرض كلفة عالية على الخصوم دون الانزلاق إلى حرب شامل وهذا ما تفعله اسرائيل في حروبها ضد حزب الله في لبنان وايران وغزة.

إن الصراعات الجارية في الشرق الأوسط تكشف بوضوح أن ميدان الحرب لم يعد محصوراً في خطوط تماس مرئية، بل أصبح شبكة معقدة من الفضاءات الجوية والرقمية والاستخبارية. الجغرافيا لم تختفِ، لكنها لم تعد وحدها مفتاح الانتصار. في عصر الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، باتت السيطرة على المعلومات توازي – وربما تفوق – السيطرة على الأرض. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه التحولات قادرة على إنتاج استقرار طويل الأمد، أم أنها تؤسس لنمط جديد من الصراعات منخفضة الحدة، عالية التقنية، ممتدة زمنيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى