لاجئـو الشـرق .. مأساة في طي النسيان نقص في الغذاء.. ومصير مجهول : أجراه: عبدالمنعم ابوادريس
15-Mar-2007
ECMS
الخرطوم : الصحافة
قال برنامج الغذاء العالمي في موقعه على الإنترنت إن اللاجئين الأريتريين والأثيوبيين في شرق السودان يتعرضون للنسيان في ظل التركيز على الجنوب ودارفور، وهم يعيشون في منطقة تتعرَّض نفسها للإهمال.
وهؤلاء الذين قال عنهم البرنامج بأنهم يعانون من النسيان تتضارب التقارير حول أعدادهم، فالبرنامج نفسه يقول إنهم (95.000) خمسة وتسعون ألف نسمة، ينتشرون في إثني عشر معسكراً، وهذا الرقم يبدو بعيداً فإذا أدركنا أن التعداد الذي أُجري عام 1991 وشاركت فيه مفوضية الأمم المتحدة للاجئين هو مليون لاجئي، وهذا الرقم تشكك فيه دراسة أعدها مركز القرن الأفريقي للدراسات ونشرها في مجلته عدد أكتوبر 2004 التي أشارت إلى أن العدد أكبر من الرقم المعلن.والتناقض الآخر عندما بدأ مشروع العودة الطوعية للاجئين الأريتريين في عام 1994 حدث خلاف حول الأرقام ما بين حكومة أريتريا وبرنامج العودة الطوعية فأريتريا تحدد الأرقام بـ (500) ألف لاجئ، والبرنامج يقف عند محطة (300) ألف لاجئ، وما نفذ من برنامج العودة الطوعية في مراحله الثلاث 1994 إلى 1996، ثم 2000 حتى 2001، وأخيراً 2004 بلغ (579.000) خمسمائة تسعة وسبعين ألف لاجئ، وهؤلاء تقول كل الإحصاءات والأرقام بأنهم يمثلون (57%) من جملة اللاجئين. وهذا التضارب حول الأرقام يضعنا أمام واقع آخر هو أن بعض هؤلاء ولدوا في السودان وآخرين مكثوا لأكثر من ثلاثين عاماً. فالسيدة فرديني ترديسا والتي تبلغ من العمر سبعة وثلاثين عاماً وصلت للسودان عام 1976 أي أنها عندما دخلت أرض السودان ما زالت بعد في حجر إمها، أما مريم رمضان التي تعمل معلمة في أحد الفصول التي افتتحها الهلال الأحمر السوداني في معسكر ود شريفي الواقع جنوب مدينة كسلا فقد جاء بها أهلها عام 1982 وهي بعد في عامها الثاني، حيث قدمت مع أسرتها من مدينة أقوردات الأريترية أي أنها بقت فوق الأرض السودانية خمسة وعشرين عاماً وهي فترة تكفي في كل قوانين الدنيا لأن تأخذ مريم جنسية الدولة التي أقامت بها، ولكن مريم وغيرها يقعون تحت ما تصفه الأمم المتحدة بـ (حالة اللجوء المزمنة)، بل إن الأمم المتحدة أعلنت أن لاجئي أثيوبيا وأريتريا بشرق السودان انتفت عنهم حالة اللجوء الأمر الذي قلل المساعدات الغذائية حيث توقف المانحون عن تقديم المال اللازم لبرنامج الغذاء العالمي والذي ظل على مدى سنوات يطعم اللاجئين. وفي المعسكر تتلقى الأسرة مؤونة غذائية تتمثل في الزيت، والدقيق والعدس، والتى تكفي بالكاد الأسرة لأسبوع واحد، وهذا دفع أحد موظفي برنامج الغذاء العالمي يعمل في مدينة كسلا واسمه أحمد لوممبا للقول: بأنه بعد أن قلَّص البرنامج من مساعداته أخذت الأسر تبذل ما في وسعها لإطالة أمد مخزونها، كما أن سكان المعسكرات تقسَّم لهم مساحات صغيرة ليزرعونها في موسم الأمطار بالذرة، وحتى هذه تواجهها مشكلة إذا نظرنا لدراسة أعدتها المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في عام 2005 تقول إن (84%) من الأسر تعولها نساء. وهنا تبرز قصة فرديني ترديسا البالغة من العمر سبعة وثلاثين عاماً وتعول أطفالها الخمسة لأن زوجها أصيب بالشلل وبدأت ببيع القهوة في مدينة كسلا والآن تحاول أن تساعد نساء معسكر ود شريفي. وإزاء هذه الظروف تحوَّلت المساعدات التي يقدمها برنامج الغذاء العالمي إلى التدريب والمشروعات التي تقود للإعتماد على النفس وفق ما قالته سارة لونجفورد المسؤولة في برنامج الغذاء العالمي عن قسم الإعلام. وقد قادهم نقص الغذاء للهجوم على البيئة حولهم حيث عمدوا إلى قطع الأشجار. وفي ذلك يقول الدكتور عبد العظيم ميرغني مدير الهيئة القومية للغابات بأن ما قدمه المجتمع الدولي لإعادة تأهيل ما خرَّبه اللاجئون قليل للغاية ولا يتناسب مع حجم الدمار الذي حدث. وفي وسط كل هذا تطل أزمة رفض هؤلاء اللاجئين لبرنامج العودة الطوعية وإصرارهم على التهجير للوطن البديل عبر ما يعرف بلجان الفحص القانوني، ولكن هذه وفقاً لدراسة أعدها مركز سويرا لحقوق الإنسان عن حالة حقوق الإنسان في أريتريا 2005، تواجهها مشكلة تتمثل في وجود حاجز اللغة بين اللاجئين ولجان الفحص القانوني. ويضيف أحد الناشطين في المعارضة الأريترية سبباً آخر بقوله.. إن أغلب قاطني هذه المعسكرات من الذين لديهم مواقف سياسية من الحكومة الأريترية ولا يرغبون في العودة في ظل حكومة أسياس أفورقي، وفي ذات الوقت لا تريد حكومة أسياس عودتهم بحسبان إنهم من سكان المنخفضات الغربية وهؤلاء مسلمون وأراضيهم بها مساحات زراعية، ولكن المنطقة تعاني نقصاً حاداً في الخدمات الأساسية من تعليم وصحة ومياه، وهذا لا يشجع الذين يقيمون في المعسكرات على العودة رغم قسوة الحياة فيها.وفي ظل تضارب الأرقام والتغيرات النفسية والثقافية التي حدثت لمن نشأوا هنا ولا يعرفون عن أريتريا سوى الاسم والضنك بسبب قرار المنظمات الدولية بانتفاء حالة اللجوء وتوقف المانحين عن تقديم الدعم وانعكاس ذلك على الغذاء الذي يقدَّم في المعسكرات إضافة للخدمات التعليمية والصحية.ولم تخرج للعلن معالجات لملف اللاجئين في المباحثات التي جرت بين السودان وأريتريا وسارت بالعلاقات نحو تطبيع وتعاون مشترك.. سألت الدكتور الأمين عبد الرازق أستاذ العلوم السياسية والمختص في القرن الأفريقي عن تفسيره للأمر، فردَّ بأن الوضع في بداية التسعينيات لم يكن كذلك، ولكن بعد بروز الخلاف بين الجبهة الشعبية ومجوعة الخمسة عشرة تغيَّر الموقف خاصة وأن هؤلاء اللاجئين من سكان السهول ويتبعون لجبهات أخرى غير الجبهة الشعبية وينتمون لقبائل معينة، وإذا دخلوا لأريتريا سيغيِّرون تركيبتها السكانية والإتجاه برز بعد أن تبنَّت الجبهة الشعبية نظام حكم الحزب الواحد رغم أن الدستور الأريتري ينص على غير ذلك.ولكن الجبهة الشعبية منذ السبعينيات وعلى رأسها أسياس أفورقي تؤمن بأن الساحة الأريترية لا تتحمل سوى حزب واحد. أما اللاجئون أنفسهم فيخشون من القمع والبطش إذا دخلوا لأريتريا لذا يفضِّلون البقاء في هذا الوضع.ومع استمرار هذا الوضع المجهول دخلت خلال عام 2005 و 2006 موجة جديدة من اللاجئين أغلبهم من الشباب الهاربين من الخدمة الوطنية خصوصاً في معسكر ساوا ذائع الصيت، والذي أعلنت الحكومة الأريترية الأسبوع الماضي أنها أخلته وحوَّلته لمدرسة حرفية بدلاً عن مركز لتدريب المجندين للخدمة العسكرية الإلزامية.. وتقدَّر هذه الموجة الجديدة بحوالى مائة ألف لاجئ. على كلٍّ، عدد غير متفق عليه يعيش أوضاعاً استثنائية في معسكرات بنيت من الطين في منطقة مكشوفة بهويات لا يعترف بها أحد وسيكون الأمر أسوأ بالنسبة لمن ولدوا في هذه المعسكرات، ويعانون نقصاً في الغذاء.