بقلم/ محمود ابوبكر

عقد حزب العدل، الأربعاء 9 سبتمبر 2026، مؤتمره «أفريقيا.. زمن إعادة الحسابات»، بمشاركة نخبة من السياسيين والخبراء والباحثين والإعلاميين، لبحث التحولات المتسارعة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وانعكاساتها على الأمن القومي المصري وموازين النفوذ الإقليمي ومستقبل الدور المصري في أفريقيا. وقدم الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الإريتري محمد أبو بكر ورقة بعنوان: «تحولات القرن الأفريقي وتداعياتها على الأمن القومي المصري وإعادة تشكيل موازين النفوذ الإقليمي».

تشهد منطقتا القرن الافريقي، وحوض البحر الاحمر، ما يمكن تسميته بـ إعادة تشكيل خرائط النفوذ الإقليمي والدولي، ذلك في ظل تضاعفالصراع على المنافذ والممرات المائية الاستراتيجية، بخاصة بعد انفجارالحرب الاميركية الاسرائيلية ضد ايران وما نتج عنها من اتساع دوائر الصراعوالتأثير بخاصة في المضائق البحرية .
ما جعل القرن الإفريقي ميدانا مفتوحا للقوى الإقليمية والدولية الساعية إلى تكريس نفوذها من خلال محاولات السيطرة على السواحل والموانئونقاط الارتكاز القريبة من الممر المائي الاستراتيجي و الحيوي للملاحةالدولية.
ولعل الاعتراف الاسرائيلي المعلن ( والدولي المتواري ) بإقليم“صوماليلاند“، بما يحمله من دلالات سياسية وقانونية –يمثل حلقة جديدةلسلسلة تحركات تستهدف اعادة تعريف الثوابت التي استقر عليها النظامالدولي، بخاصة فيما يتعلق حدود الدول، وفق ما نص عليها ميثاقي الاممالمتحدة والاتحاد الافريقي .
اي ان هذه المساعي تستهدف مبدأ راسه من مباديء الامم المتحدة والقانونالدولي ( السيادة ومبدأ وحدة الاراضي الوطنية ) .
هنا ينبغي الاشارة الى ان الاعتراف الاسرائيلي سبقه، شبه اعتراف اثيوبيبهذا الاقليم من خلال توقيع مذكرة التفاهم بين اديس ابابا وهرجيسا . ( ثمتبعها تعيين سفير لاثيوبيا في صوماليلاند ) .
ومذكرة التفاهم في هذا ذاتها اتت بعد تحول جديد اعلنت عنه أثيوبيا في2023، والذي سنتناوله في الفقرة الثانية :
على المستوى القانوني فان اعتراف اي طرف باستقلال صوماليلاند،يصطدم مع واقع قانوني، اذ يقيد القانون الدولي مبدأ ” حق تقرير المصير” بمبدأ احترام وحدة الدول القائمة والمعترف بها في الامم المتحدة ، فيما يقيدميثاق الاتحاد الإفريقي الاعتراف بالكيانات الانفصالية ويحصرها في إطارالتسويات الوطنية الشاملة، لتجنب خلق سوابق تهدد استقرار القارةالافريقية .
في التحليل الاستراتيجي تُعد صوماليلاند، بسواحلها الممتدة وموقعهاالجغرافي المتميز في خليج عدن، وقربها من مضيق باب المندب المفضي للبحر الاحمر، نقطة ارتكاز مهمة لبسط النفوذ الاقليمي، بخاصة وان هذاالممر المائي تعبر من خلاله نحو 14% من التجارة الدولية .
ومن ثم فان دعم استقلال الاقليم قد يمثل هدف محتمل لقوى تسعى لتعزيزحضورها في جنوب البحر الأحمر ، سواء بشكل مباشر ( من خلال اقامةقواعد عسكرية ) او دون انخراط مباشر لكن من احتمال دعم الصراعاتالمحتملة كاحدى تداعيات الانفصال .
في اعتقادي ان هذا التحول يعد مركزيا في تشكيل خرائط النفوذ الاقليمي،مما يجعل مسألة الاعتراف باستقلال صوماليلاند حلقة ضمن مسار أوسعلإعادة تشكيل التوازنات في القرن الإفريقي،
لا سيما اذا اخذنا في الاعتبار. طبيعة البحر الاحمر شبه المغلق، وارتكازه على نقطتي اختناق بحريتين رئيسيتين: هما مضيق باب المندب جنوبًا. وقناة السويس شمالًا . مما يفرض انعكاسات مباشرة وغير مباشرة علىالاستقرار الاقليمي ومن ثم على الأمن القومي العربي – والمصري بوجهالخصوص .
فأي تهديد في باب المندب ينعكس مباشرة على حركة السفن المتجهة إلىقناة السويس، كما أن تصاعد الوجود العسكري الأجنبي، وانتشار القواعدوالموانئ، يحوّل البحر الأحمر إلى ساحة تنافس على النفوذ عوض انيكون ممرًا دوليًا آمنًا لحركة الملاحة .
٢– التحول الثاني :
يتعلق بالمشروع الذي اعلنت عنه أثيوبيا في 2023 من خلال خطاب رئيسوزراءها في البرلمان الاثيوبي، والمعروف بمشروع ” الوصول الآمن للبحرالاحمر“.
والواقع ان هذا المشروع الملتبس الذي اتى في توقيت بالغ الحساسية، فياعقاب انتهاء حرب تيغراي، تضمن حجج واهية تتراوح بين مجموعة منالمزاعم : ادعاء ان أثيوبيا لديها حقوق تاريخية في البحر الاحمر، ( وهناتحديدا يشير الى السواحل الاريترية )
وبين الحجج الاقتصادية باعتبار ان عدد سكان البلاد قد تجاوز ١٣٠ مليوننسمة، ومن ثم فان حاجتها للتنمية تتطلب ايجاد منفذ بحري سيادي،
وتم عقد مقاربة غير منطقية بين الحق في استغلال مياه النيل، والوصولالى البحر الاحمر .
اما الوجه الثالث للمشروع الاثيوبي المعلن فيتعلق بالترتيبات الامنية ذاتالبعد الجيو سياسي، إذ يتم صياغة جملة من الحجج عن ضرورة وجوداثيوبيا في البحر الاحمر، للاسهام في الديناميات الدولية للامن والاستقرار. ويذهب هذا الزعم الى ان الدول المطلة على البحر الاحمر في منطقة القرن الافريقي دول صغيرة وغير قادرة على توفير الامكانات اللازمة لحمايةالملاحة الدولية، وان اثيوبيا الدولة الحبيسة قد شكلت قوات بحرية حديثةومن ثم فهي تسعى الى تأكيد نفوذها في هذه المنطقة .
والامر الاكثر اربكا ان المشروع الاثيوبي حدد وسيلتين امام يسميه الوصولالامن للبحر الاحمر اما سلما عبر تنازل الدول المجاورة عن منافذ بحريةسيادية لاثيوبيا، او حربا ً مما يعني ان اديس ابابا على استعداد لاستخدامالقوة في سبيل احتلال سواحل الدول المجاورة .
اذا ما نظرنا الى هذا التحول، او المطالب، فانها بكل تاكيد تعد انتهاكاواضحا للقانون الدولي ( اتفاقية الامم المتحدة للبحار )، كما تعد انتهاكا لميثاقي الامم المتحدة والاتحاد الافريقي الذي تستضيفه العاصمة الاثيوبية.
القانون الدولي يتيح للدول الحبيسة الوصول الامن للبحر، لكنه يقيد ذلكبشرط التوصل الى اتفاقيات مع الدول الساحلية، مع احتفاظ الدولالساحلية بكامل سيادتها، كما انه يجرم اي فعل يتجاوز الوسائل السلمية،ومن ثم فان المسعى الاثيوبي بكل تاكيد مناف لبنود القانون الدولي واتفاقيةالامم المتحدة للبحار .
كما أن أثيوبيا ظلت تصل للبحر سواء من خلال جيبوتي او كينيا كما ظلتتستفيد من المواني الاريترية حتى قيام حرب الحدود في عام 1998 عبراتفاقيات ثنائية .
والنقطة الاكثر تضليلا تلك المتعلقة بالحقوق التاريخية في اريتريا، وهنابودي ان الفت نظر الزملاء الصحفيين والاعلاميين بما فيهم الصحفوالقنوات المصرية التي تتناول هذا المطلب ( المعروف ان أثيوبيا فقدتموانئها واصبحت دولة حبيسة بعد استقلال اريتريا ١٩٩٣ ) !
وهذه مغالطة كبيرة ينبغي التصدي لها بكل وضوح لاثيوبيا لم تمتلكموانيء في تاريخها على الاقل خلال الخمس قرون الماضية (الا لمدة 29 سنة)
اذ لم تمارس السيادة على السواحل الاريترية منذ القرن السادس عشر،. فتحديات منذ 1521 خضعت اريتريا لسلسة من الاحتلالات المتعاقبة، ولمتكن جزء من السيادة الاثيوبية .
فقد احتل البرتغاليون اريتريا في عام 1520 ودام احتلالهم حتى عام 1557 وهو التاريخ الذي اتى فيه الغزو العثماني ليطرد نظيره البرتغاليو انضوتالبلاد تحت حكم الدولة العثمانية.
ثم جاء الاستعمار الإيطالي الذي بدأ في 1882، قبل أن يغادر مكرهاً عام1942 إبان الحرب العالمية الثانية، حيث خضعت إريتريا للانتدابالبريطاني، لمدة 10 سنوات وفي حين كان من الواجب ان تستقل اريترياكسائر الدول الافريقية، إلا ان التدخلات الاميركية اجهضت مشروع الاستقلالوتم تبني قرار امميا بربط اريتريا مع أثيوبيا باتحاد فيدرالي اقرب ما يكونللحكم الكونفدرالي لمدة عشرة سنوات، تم ذلك في عام 1951 ( إذ احتفظ كلطرف باستقلاله ومؤسساته السياسية، كان لاريتريا حينها برلمان منتخبومستقل واحزاب سياسية، وصحف وطنية وحكومة منتخبة/ في حين لم يكنلاثيوبيا برلمان ولا احزاب .. كان حكم ملكي كهنوتي الطابع )
وفي عام 1962 قرر الامبراطور الاثيوبي هيلي سلاسي بقرار احادي انهاءالحكم الفيدرالي، واعلان ضم اريتريا قسرا لاثيوبيا واعتبرها اقليما أثيوبيا.. وهو القرار الذي يخالف القرار الاممي ودام هذا الوضع الشاذ وغيرالقانوني لمدة 29 عاما اذ تم تصحيحه في عام 1991 عبر تحرير كاملالتراب الاريتري من الاحتلال الاثيوبي، وتم تنظيم استفتاء شعبي رعته الاممالمتحدة في ابريل 1993 توج باستقلال اريتريا الذي تاخر لثلاث عقود منالزمن ووضع خاتمة مستحقة لمنطق القوة والاحتلال في القرن الافريقي .
ثمة نقاط يمكن ملاحظتها في المشروع الاثيوبي العاير للمنطقة، ففضلا عنمخالفته للقانون الدولي وميثاقي الامم المتحدة والاتحاد الافريقي، فهوايضا مشروع توسعي يبدأ من الصومال وجيبوتي ليصل لاريتريا
ففي الوقت الذي يطالب فيه بالحقوق التاريخية في اريتريا وقع النظامالاثيوبي مذكرة التفاهم غير القانونية مع سلطات الاقليم الانفصالي فيالصومال، للحصول على منافذ بحرية سيادية مقابل الاعتراف باستقلالصوماليلاند ( والتي تنازل عنها لاحقا في اعلان انقرة )!
كما انه رفض المقترح الجيبوتي باستغلال ميناء تاجوراء لتجارته الخارجية. وفضل المضي في اتجاه توفير منفذ سيادي في اي دولة في المنطقةلاغراض عسكرية وامنية .
والواقع ان هذا المشروع يتجاوز أثيوبيا نفسها، اذ ان ثمة مؤشرات ودلائلتشير الى انه مشروع اقليمي لاطراف تسعى لبسط نفوذها في المنطقة، وانأثيوبيا تلعب فقط دور المنفذ للمشروع ، وذلك بغرض فرض توازنات جديدةفي جنوب البحر الاحمر .
فالتصريحات الرسمية الاثيوبية بما فيها تصريحات رئيس الوزراء تشير انالامر لا ينحصر في اغراض التنمية والتجارة، بل يتعلق باهداف امنيةوعسكرية.
فضلا عن شهادات موثقة لاشخاص ظلوا في الدائرة الضيقة لصناعة القرارمن امثال وزير الخارجية السابق ( جدو اندرجاتشو ) والذي كان مستشارالرئيس الوزراء الاثيوبي لشؤون الامن القومي اثناء طرح مشروع الوصولللبحر تحديدا ، اذ اكد ان هذا المشروع ليس مشروعا أثيوبياً خالصاً، بلفرضته علينا اطراف اقليمية، تسعى بكل قوة الى السيطرة المباشرة و غيرالمباشرة على السواحل والموانئ ، باعتبارها
أحد أنماط إدارة النفوذ في منطقة البحر الاحمر .
وبكل تأكيد فان اي مشروع اقليمي لاطراف خارج منطقة القرن الافريقيوالبحر الاحمر عندما يجد موطيء قدم لانفاذه في هذه المنطقة من خلالدولة حبيسة في القرن الافريقي، لها صراعاتها المعروفة مع دول الجوارفضلا عن صراعها مع مصر في قضية مياه النيل ، ومع استحضار تحالفات هذه الدولة .. اي تحالفاتها الدولية والاقليمية، فان من نوافل الأمراستدراك مدى تأثير هذا التوجه على الامن والسلم في منطقة القرنالافريقي، من جهة، وتأكيد يره المباشر ايضا عبر الامن القومي المصري منجهة أخرى .





