مقالات

أسمرا تقدم الحل السياسي على الحل القانوني !. بقلم فتحي عثمان

28-Jun-2018

عدوليس ـ ملبورن

الإلفة وتبادل الإبتسامات بين عضوي الوفد الارتري والمسئولين الإثيوبيين تدلان على معرفة ولقاءات سابقة. أي كان الأمر، فإن ما لا يظهر في الصورة يمكن تتبعه من الظاهر فيها. شواغل السياسة الخارجية الارترية والتي لا تخطط بواسطة مؤسسات تشريعية ولا تنفذها مؤسسات راسخة تمثلت في ثلاث كوابيس كبرى منذ الفترة 2003 وحتى اليوم وهي: إجبار اثيوبيا على قبول قرار ترسيم الحدود، عبر ضغط المجتمع الدولي، رفع العقوبات الأممية التي فرضت عليها في سنتي 2009 و2011 وأخيرا تلافي، قدر الإمكان، تعقيدات ونتائج ملف انتهاكات حقوق الانسان. بالنسبة للكابوس الأول تمسكت ارتريا بأن الحل للخلاف الحدودي يتمثل في خضوع اثيوبيا للقرار النهائي والملزم. أما بالنسبة للعقوبات الأممية فأسمرا تتمسك بالقول بأنها نتيجة تحالف جهود دولية لإدارة الرئيس الامريكي السابق أوباما واثيوبيا وجيبوتي الصومال، وهي مبنية اساسا على حجتي دعم اسمرا لحركة الشباب المجاهدين في الصومال؛ والتعنت في حل النزاع الحدودي مع جيبوتي. إما تلافي أبعاد ملف حقوق الانسان فارتريا حاولت اقناع موسكو وبكين أولا بعدم الموافقة على تجديد العقوبات الدولية باستخدام حق الفيتو، وثانيا استخدام الدولتين لقوتهما وتأثيرهما في الحد من أبعاد ملف حقوق الانسان، دون أن تلزم نفسها بإجراء تغيير حقيقي في أوضاع حقوق الانسان في البلاد.

زاد من عزلة ارتريا وحد من قدرة تحركها الدبلوماسي العلاقات المتأزمة مع الإدارات الإمريكية الثلاث السابقة (كلنتون، بوش الابن، وأوباما)، حيث اعتزلت ارتريا المسرح الدولي لتضيق من انشوطة العزلة الدولية المفروضة عليها. النظر إلى هذه التعقيدات بدأ في التغير ولكن ليس في اسمرا: بل في أديس ابابا وواشنطن وأبوظبي، ولاعتبارات خاصة بكل عاصمة. ما يهمنا هو التحول الأمريكي المواتي وكيفية تبلوره وإيصاله لخطوة وصول الوفد الارتري إلى اديس ابابا. الموقف الامريكي تشكل بعقلية إدارة السياسة الخارجية بأسلوب المدير التنفيذي، وهي التي يفضلها رجل الأعمال ترامب وقوامها تحقيق أكبر مكاسب بأقل خسائر ودون اعتبارات ايديولوجية جوفاء وتحت شعار جعل امريكا عظيمة مرة اخرى. وهي سياسة تقوم على حلحلة مشاكل الحلفاء الصغيرة لخلق حالة اصطفاف واضح في الشرق الأوسط وبالتحديد ضد دولتين: الأولي هي الصين والثانية هي إيران. بالنسبة للصين فإن ساحة المواجهة هي افريقيا وسلاحها نزع الاستثمارات ومنع التمدد العسكري في القارة، إما تجاه إيران فهي الغاء الاتفاق النووي وسياسة الإنهاك وصولا إلى التدمير الشامل. الشخص الذي اسندت اليه هذه المهمة في الإدارة الامريكية وعرابها الذي لا يفتر هو جون بولتون الدبلوماسي ورجل القانون والمحافظ اليمني والذي عين في منصب مستشار الأمن القومي للولايات في ابريل الماضي. كان اسم بولتون مطروحا لتولي منصب وزير الخارجية بعد فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية، ولكن ترامب رفضه تحت حجة أن شنب بولتون الكث لا يعجبه ( وللرجل شنب يحط عليه الصقر كما يقول المثل العربي). وعاد الرجل من الباب الخلفي ليتولى منصب مستشار الأمن القومي وبولتون واضح التصريح ودون مواربة بأن القانون الدولي لا قيمة له، ولا يستنكف عن القول بأن الأمم المتحدة عليها أن تخدم المصالح الامريكية؛ وإلا فلا فائدة لها. وكل هذه الأفكار إضافة لفكرة تغيير النظامين في بيونغ يانغ وطهران طرحها في كتاب ” الاستسلام ليس خيارا: الدفاع عن امريكا في الأمم المتحدة والخارج” وهو كتاب كتبه بعد انتهاء فترة عمله كمندوب لأمريكا في الأمم المتحدة خلال فترة إدارة الرئيس بوش.
استفادت الولايات المتحدة من المتغيرات التي شهدتها اثيوبيا والتي أتت بأبي أحمد إلى سدة الحكم ومتغيرات المنطقة في الضغط على اسمرا للقبول بتسوية سياسية للخلاف مع اثيوبيا. الإشارة التي ذكرها اسياس حول اخفاق ثلاث إدارات امريكية في المنطقة وكون إدارة الرئيس ترامب نتيجة لهذه السياسات وأنها تسعى لإصلاح هذا الخلل واستعداده للعمل معها يصب كله في القبول بشروط سياسة المدير التنفيذي.
تلتقي واشنطن وأديس أبابا حول فكرة ” تصفير الخلافات في المنطقة” واعتبرت واشنطن وعبر مفاهيم بولتون التي ترجح الحل السياسي على الحل القانوني الطويل والمعقد والذي قد يشرك أطراف لا ترضى بهم الولايات المتحدة ، كالأمم المتحدة، والاتحاد الاوروبي، أن الأولوية تأتي لحل الخلاف الارتري الاثيوبي والاتجاه مباشرة بعده لحل ملف جنوب السودان وبشكل حاسم، ضمن نفس الحزمة العلاجية للمنطقة.
والنتائج كانت حاسمة: أثيوبيا قبضت ثلاث مليارات من دولة الامارات؛ منها مليار لدعم احتياطها من النقد الاجنبي. أما ارتريا، فهي لا تعلن عن مكاسب مالية أو اقتصادية ولكنها لن تعتبر حل مشكلة الحدود مع اثيوبيا هي المكسب الأول: فهي سوف تسعي لمعالجة ملفي العقوبات وحقوق الانسان كجائزة لقبولها الحل السلمي مع اثيوبيا، باعتبار أن مشكلة الحدود تعتبر في حكم المشكلة المحلولة.
لنأخذ بادرة تصب في بحر هذا الطموح لدى اسمرا: في قاعة مجلس حقوق الانسان في جنيف وفي يوم امس الثلاثاء وبعد تقديم للمقررة الخاصة لحقوق الانسان في ارتريا شيلا بي كيتاروت لتقريرها ” تفادى” مندوب اثيوبيا التعليق على التقرير، في خطوة تهدئة واضحة من اديس بخصوص ملف ارتريا في المجلس، حيث سيكون من المشين دبلوماسيا أن يتواجد وفد ارتري في اديس أبابا بينما يهاجم مندوب اثيوبيا ارتريا على مرأي من العالم.
يمكن، وبمقايسة دبلوماسية، اعتبار أن الخطوة الاثيوبية لن تكتمل بالنسبة لارتريا ما لم تضغط اديس أبابا على شركائها في جهود كشف انتهاكات حقوق الانسان في ارتريا وهما مقديشو وجيبوتي. أما الشريك الرابع في الجهود، وهو الولايات المتحدة، فلقد غادر مجلس حقوق الانسان بعد أن كان داعما لكل الخطوات التي اتخذت ضد اسمرا في السابق.
خلاصة القول: سوف تحقق اسمرا مكاسبا دبلوماسية عاجلة تتمثل في سحب الزخم الدبلوماسي والسياسي من ملف انتهاكات حقوق الانسان، وربما تنجح سياسة الجزرة بمكافأة ارتريا بالإلغاء الكامل لمنصب المقرر الخاص لحقوق الانسان في ارتريا مع انتهاء فترة عمل المقررة الحالية.أما المكسب الأكبر فسيكون هو الغاء العقوبات الأممية المفروضة على اسمرا في غضون الستة أشهر المقبلة. أما مكسب تطبيع العلاقات مع اثيوبيا وكسر طوق العزلة مؤقتا، فإن ذلك اصبح مضمونا في جيب طاغية اسمرا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى