مقالات

برقيد نحمدو- ظلال التاريخ، مخاض الانتماء وحقائق الواقع

بقلم / عبد الرازق كرار

نادرة هي المرات التي تعرضت فيها سلطة أسياس افورقي لتحدي حقيقي من قبل الإرتريين، فهو كما ذكر مسفن حقوص في مذكراته قد اتخذ قراراً بأن لا يسمح للأحداث أن تصل إلى ما وصلت إليه خلال تحدي حركة المنكع لسلطته في عام 1973م، ولهذا ظل ممسكاً بزمام المبادرة وضاماً الى صدره الأوراق المهمة للعبة. من بين تلك الأحداث المعدودة على أصابع اليد الواحدة والتي تحدت سلطة أسياس هي حركة المقاتلين قبل وقت قصير من إعلان نتيجة الاستفتاء في عام 1993م، ثم حركة مجموعة الخمسة عشر، ثم فورتو في بدايات 2013م. لقد أثبتت هذه الأحداث على ندرتها أن أسياس ونظامه تصيبهم حالة من فقدان البوصلة في التعاطي مع مثل هذه الأحداث، فقد رأينا النظام في البداية يصف حركة فورتو بأنهم حركة إسلاميين متطرفين قبل أن يتوارى هذا التصنيف حال أن تأكد أسياس أنه مسيطر على مقاليد الأمور.

إن الحراك الذي ينتظم الكثير من مدن المهجر تحت مظلة (برقيد نحمدو) أو لواء الأرض وفق الترجمة الشائعة، وإن كان حراكاً في الخارج لكن يمكن وصفه بأنه ضمن الحالات النادرة التي حدث فيها تحدي حقيقي لسلطة النظام مما أفقده البوصلة، وبدأ في توجيه الاتهام الى الموساد الاسرائيلي والمخابرات الغربية، وكأنه يريد أن يقول أن عمل منظم بهذا الشكل هو فوق قدرات الجاليات الإرترية المعارضة في الخارج، وهو أكبر من قدرات الجبهة الشعبية لتحرير تغراي والتي إلى وقت قريب كانت متهمة من قبل أذرع النظام الظاهرة والخفية بأنها من تقف خلف هذا الحراك بسبب هزيمتها العسكرية في الحرب الأخيرة في إثيوبيا.

بيد أن المعارضة الارترية بشكل عام وفي شقها المنظم على وجه الخصوص ليست أفضل حظاً في فقدان البوصلة تجاه هذه الحراك من النظام، حيث نشهد انقسام واضح تجاه (برقيد نحمدو) هو ما ستحاول هذه المقالة الاجتهاد في مناقشته، لعلها قد تفتح الباب لنقاش موضوعي بناء حول هذا الحراك أسبابه ومآلاته وكيفية التعاطي معه.

البدايات:

إن الأصوات التي حاولت  ربط هذا الحراك بنتائج ومآلات الحرب الإثيوبية الأخيرة بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والنظام الإرتري من جهة والجبهة الشعبية لتحرير تغراي من جهة أخرى في الفترة من نوفمبر 2020م وحتى نوفمبر 2022م، ليس مخطئة تماماً بغض النظر عن نوايا هذه الأصوات، ولكنها ليست على صواب كامل ايضاً، فالأرجح أن الحرب شكلت لحظة كاشفة للحالة أكثر منه صانعة لها، فحراك برقيد نحمدو هو في جوهره تمظهر لغضب يظل يتراكم يوماً بعد يوم في دواخل الإرتريين، وما هذا التمظهر العنيف لهذا الحراك سوى قطرة من السم الذي ظل النظام يحقن به مستقبل الأجيال الإرترية عندما أختار أن يغلق أي نافذة يمكن أن يشع منها الأمل أو – تغري الشمس على تعبير شاعرنا الكبير محمد مدني- في مستقبل مشرق. وحتى عندما أتيحت لهذا الأجيال فرص الهجرة بكل ما حفّها من تحديات أو فرص، نجد أن قليل منهم من اندمج في مجتمعاته الجديدة بشكل كاف، وحتى الذين استطاعوا تحسين أوضاعهم المعيشية لهم ولأهلهم ظلت قضية الهوية تشكل هاجساً مقلقاً لهم بشكل جدي. وأمام هذه المعضلة النفسية المتفاقمة لجأ أغلبهم الى هويات ميثولوجيه متخيلة ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في تقويتها. ولهذا ليس مستغرباً أن تكون بعض الأصوات العالية في وسائط التواصل الاجتماعي والتي ظهرت كقادة للحراك أن تركز على صراع الهويات أكثر منه قيم العدالة والديمقراطية والحياة الكريمة المفقودة في إرتريا.

الرافعة الاجتماعية:

ليس سراً أن هذا الحراك الذي شكلت أزمة الهوية إحدى ركائزه على الأقل في خطابه الظاهر في مراحله الأولى هو حراك تشكل من المسيحيين في المرتفعات الإرترية بشكل كبير إن لم نقل بشكل كلي، كما أن الفواصل الإقليمية لهذا المجتمع المتجلية في تفاصيل هذا الحراك أوضح من أن يتم تجاهلها أو إنكارها، وكما هو معلوم إن النظام سعى بشكل منهجي حثيث إلى تغرنة إرتريا، حتى أن القائم بالأعمال السابق في السفارة الأمريكية السيد (ستيف والكر) في مقاله في سبتمبر 2022م وصف النظام بأنه (نظام تهيمن عليه نخبة التغرينية المسيحية الارثوذكسية)، وهو ما يطرح سؤالاً ملحاً عن كيف أن بعض مكونات هذا المجتمع تحاول أن ترتكز على عامل الهوية في صراعها مع النظام الذي ليس فقط ينتمي لذات الهوية بل سعى الى تعزيزها وجعلها هوية مركزية للبلاد دون مراعاة للهويات الأخرى؟ بمعنى آخر، كيف وصلت بعض مكونات مجتمع التغرنية إلى قناعة أن هذا النظام يستهدف قومية وثقافة هذا المجتمع، وأن الصراع معه هو صراع وجودي صفري، بالرغم من أنه تهيمن عليه بعض نخبهم وجعل من القومية والثقافة التغرينية هوية محورية رائدة للدولة؟

إن محاولة الاجابة على هذه المعضلة ليس ميسورة، وتستدعي أيضاً استصحاب الصراعات الاقليمية التاريخية في الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا، ولكن لمصلحة هذه المقالة ودون إغفال للرواسب التاريخية فإنه يمكن أن نعزي هذا الحراك المرتكز على الهوية في موجته الحالية الى عاملين أساسين وهما:

العامل الأول: الدور المنهجي للكاتب يوسيف قبرهوت، وهو رجل يتمتع بقدرات كتابية وتحليلية عالية، ويمكن اعتباره عراب هذا الحراك. لقد ظل يوسيف ناشطاً في الفضاء الأسفيري منذ ما يقارب العقد ونصف العقد، وطوال هذه المدة ظل يوسيف ملتزماً بفكرة مركزية شكلت محور تفكيره ونشاطه، وتتلخص فكرته في أن الكفاح الإرتري من أجل الاستقلال كان مساراً عبثياً تخللته الكثير من الجرائم وأن الدولة الحالية ونظامها المستبد هي نتاج طبيعي لهذا المسار العبثي، وأنه كان من الأفضل للإرتريين البقاء ضمن إثيوبيا. بيد أن يوسيف في تأسيس فكرته المركزية يفترض التجرينية كهوية مركزية قائدة، بالتالي هو يتحدث عن أنه كان الأفضل للتغرينية البقاء ضمن إثيوبيا الكبري. وعندما يؤسس لفكرة عبثية النضال الإرتري ونتائجه الكارثية الحالية المتمثلة في الدولة القائمة، فإنه أيضاً ينطلق من فكرة توازن بين ما تحقق للتغرنية من مكاسب وخسائر، ويصل الى نتيجة مفادها أن الخسائر أكبر بكثير من المكاسب، وأن الخسائر تمثل تهديد وجودي لقومية التغرنية. وللوصول بالمتابعين إلى هذه النتيجة يركز يوسيف على مشروع الخدمة الوطنية القسرية التي لا نهاية لها في إرتريا، ويرصد آثارها في إفقار المجتمع من خلال اعتقال القدرات البشرية في الخنادق، أو دفع الشريحة الشباب المنتجة الى المجهول متتبعاً هذا النزيف البشري الذي تشهده إرتريا ويجعل منها أكبر دولة مصدرة للاجئين مقارنة بحجم سكان الدولة. غير أن فكرة يوسيف المركزية يشوبها بعض التشويش عندما تأتي الى نقطة تحديد عن أى إثيوبيا يتحدث؟ هل هي إثيوبيا الامبراطور هيلي سلاسي والتي كانت تشكل نخب (الشوا الأمحرا) محورها الأساسي، أم يقصد (إثيوبيا ملس زيناوي) التي كانت تشكل الجبهة الشعبية لتحرير تغراى عمادها الأساسي؟ وهما بالطبع مشروعان مختلفان إن لم يكونا متناقضين. ورغم هذا التشويش فإن يوسيف يوظف الحرب الإرترية الإثيوبية (1998-2000م) لصالح أطروحته الأساسية وهي أن نظام أسياس وفي حربه الوجودية على قومية التغرنية فهو يسعى للتخلص من الجبهة الشعبية لتحرير تغراي لأنها تشكل السند الإجتماعي والامتداد الطبيعي للقومية. وغني عن القول أن الحرب الأخيرة بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والحكومة الإرترية من جهة والجبهة الشعبية لتحرير تغراى من جهة أخرى بين (نوفمبر 2020م وحتى نوفمبر 2022م) أعطت يوسف مصداقية إضافية لدى متابعيه، حيث عززت أطروحته خاصة عند قراءة دوافع التدخل المباشر للجيش الإرتري والتقارير المتواترة عن الفظاعات التي نجح يوسيف في تفسيرها على أنها حرب تتجاوز المنظومة السياسية للتغراى إلى المنظومة الاجتماعية، وأن أسياس في نهاية المطاف هو خطر وجودي على كل القومية بغض النظر ما إذا كانت مكونات هذه القومية في إرتريا أو إثيوبيا.

من خلال هذه المقدمات يصل يوسيف قبرهوت إلى الخلاصة التي عمل جاهداً لها وهى أن الهوية التغرانيوية هي المستهدفة بالأساس من قبل النظام، وبالتالي يجب أن يكون مقاومة نظام أسياس على أساس هذه  الهوية لأنها حرب وجودية وبالتالي الوقوف مع تغراى هو جزء من حرب اثبات الوجود التي على القومية خوضها ضد النظام، ولأنها حرب وجودية تستهدف قومية التغرنية بدرجة أساسية لذا على هذه القومية ألا تنتظر أحداً في حربها على نظام أسياس وعليها أن تخوض حربها دون انتظار أي توافق سياسي أو دعم سواء كان من تنظيم سياسي أو قوى اجتماعية إرترية أخرى.

العامل الثاني: طبيعة العلاقة المعقدة بين الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا والجبهة الشعبية لتحرير تغراي بكل حمولاتها السياسية والاجتماعية والنفسية، هو ملف يحتاج الى البحث والتنقيب لما له من آثار ليس فقط على الحاضر السياسي، ولكن أيضاً مستقبل القرن الأفريقي. ليس سراً أن الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا بما كان له من ريادة عسكرية وعلاقات خارجية كانت تنظر الى الجبهة الشعبية لتحرير تغراي نظرة المعلم للتلميذ، وللحقيقة لم تكن هذه النظرة تنطلق فقط من الريادة العسكرية والسياسية للجبهة الشعبية لتحرير إرتريا مقارنة بالتغراي، بل لها حمولات اجتماعية تمتد إلى نظرة النسيج الاجتماعي في إرتريا لنظيره في الطرف الآخر من الحدود، وقد تمظهرت حالة الاستعلاء هذه في السلوك السياسي للجبهة الشعبية في تعاملها مع التغراى، وكانت للأسف واحدة من أسباب الهزيمة المذلة التي تعرضت لها إرتريا في حربها مع إثيوبيا في عام 2000م، حيث أسهمت هذه النظرة في استهانة أسياس ونظامه بقدرات خصمه، كما حفزت الخصم على تحقيق النصر وكسر شوكة الطرف الآخر مهما كان الثمن.

لقد ارتكبت الجبهة الشعبية لتحرير تغراى مدفوعة بهذه الرغبة العميقة لكسر شوكة وتمريغ أنف الخصم المتمثل في أسياس ونظامه خطأ استراتيجياً وهو إجلاء الارتريين المقيمين في إثيوبيا بشكل مهين للغاية، وهو ما ساهم في رفع مستوى الكراهية والاحتقار للتغراى وسط نخب التغرنية. لقد أدرك التغراى هذا الخطأ الاستراتيجي وحاولوا تدارك ذلك من خلال معالجات لاحقة تمثلت في الاعتذار للإرتريين المبعدين، ومحاولة إعادة بعض الأموال المنهوبة، ولكنهم بالتوازي عملوا بشكل منهجي وصبور على تغيير الصورة النمطية للتغراي في الذهنية الكبساوية الإرترية من خلال العمل على ملفين وهما ملف اللاجئين وملف المعارضة.

لم يجد التغراي صعوبة كبيرة في العمل مع قوى المعارضة التي يشكل غير التغرنية غالبية عضويتها وقيادتها، ولكنهم كان يعلمون أن هؤلاء ليس حلفائهم الاستراتيجيين، ولهذا كان حرصهم كبير للغاية للوصول الى القاعدة الصلبة لمجتمع الكبسا سوى عبر التنظيمات السياسية أو ما عرف بالمجتمع المدني. لقد أظهرت قطاعات مقدرة من مجتمع الكبسا من المسيحيين تردداً كبيرا في البداية في الذهاب الى إثيوبيا أو مد جذور الثقة مع التغراي، ولهذا لم تكن مشاركتهم في ملتقى الحوار الوطني في أغسطس 2010م بالمستوى الذي يتناسب وحجمهم، ولكن حدث اختراق كبير خلال سنة وكانت مشاركتهم مذهلة في المؤتمر الوطني للتغيير الديمقراطي في نهايات عام 2011م.  بالتوازي حرص التغراى على فرش السجادة الحمراء لكل القيادات التي انشقت من النظام في عام 2001م، وكانت الاهتمام بهم يفوق ما تجده المعارضة المنظمة وقياداتها في المواقع القيادية للتنظيمات أو المظلات السياسية. ولم تمض سنوات حتى رأينا جلّ القيادات المنشقة من النظام والتي كانت لها تحفظات كبيرة على زيارة إثيوبيا دع عنك التعاون معها تحج إلى إثيوبيا بشكل متكرر. لقد كان لهذا الاختراق تداعياته على المستويين السياسي والاجتماعي لهذا المجتمع، حيث تقبل جلّ قيادات المجتمع فكرة التعاون مع الجبهة الشعبية لتحرير تغراى لتغيير النظام في إرتريا، كما أن النظرة الاستعلائية النمطية بدأت في التلاشي وأصبحت تتحول الى احترام قد يصل حد الاعجاب عند البعض.

وعلى أهمية مسار العمل مع المعارضة، لكن التغراى راهنوا بشكل كبير على مسار اللاجئين باعتباره المسار الأهم في تشكيل المستقبل. لقد بني التغراي قاعدة بيانات دقيقة لكل الفارين من جحيم النظام، بيانات تتضمن الخلفية الاجتماعية والتعليمية والسياسية، وقد وظفوا هذه البيانات بشكل منهجي تم من خلاله تغيير الصورة النمطية للتغراى في ذهنية القادمين من خلال تقديم الخدمات التي حرم منها الهاربون في وطن دفعوا الغالي والنفيس لينال استقلاله، وتم التضييق عليهم فيه من قبل من يتكلم لغتهم ويدين بدينهم وينتمي لذات المكون الاجتماعي، بالمقابل وجدوا الاحتضان والرعاية والمساعدة ممن كانوا يظنونهم متخلفين اقتصادياً وسياسيا وثقافياً، قارنوا بين حركة الاعمار في إثيوبيا بشكل عام والمدن التي جاءوا منها، عقدوا المقارنات بين فرص التعليم التي حرموا منها في بلادهم وتلك التي حظوا بها في إثيوبيا. وأمام هذه المقارنة لم يجد هؤلاء أنفسهم إلا وهم في مسار السعي الانتماء للهوية للمجتمع الجديد وبدأوا في التنقيب عما كانوا يستحون عنه في السابق وهي الأصول التغراوية.

التمظهر السياسي لإعادة التأسيس النفسي والاجتماعي:

إن محصلة إعادة التأسيس النفسي والاجتماعي الذين أسهم فيها ضمن عوامل أخرى، العاملين المذكورين وهما الجهد المثابر ليوسيف قبرهوت لعقد ونصف من الزمان والسياسات الممنهجة للجبهة الشعبية لتحرير تغراي لما يقارب العقدين من الزمان تمظهرت في أطروحة سياسية ذات أبعاد اجتماعية لخصتها العبارة المتداولة وسط العديد من قيادات برقيد نحمدو وهى (أن جنسيتي إرتري ولكن هويتي تغراوية) وأن أسياس ونظامه خطر على جنسيتي لأنه حرمني من كل الحقوق التي تتيحها لي الجنسية ويشكل تهديد وجودي لهويتي لأنه يستهدف مجتمعي وامتداداته في التغراي ليس كجبهة سياسية وحسب بل كمجتمع، وبالتالي فلا غضاضة أن يكون مشروع مقاومتي للنظام مدفوعاً بالسعي للحفاظ على هويتى وجنسيتي ولا يوجد تعارض بين الاثنين فالاعتداء على التغراى هو اعتداء على هويتي وأن الاستعانة بالتغراي في سبيل محاربة النظام هو محاولة للحفاظ على هويتي. فكيف يمكن التعاطي مع هذه الظاهرة السياسية ذات الأبعاد الاجتماعية؟ هذا ما ستحاول المقالة معالجته فيما تبقى من سطور.

استدعاء التاريخ في فهم الظاهرة:

إن مفهومي الجنسية والانتماء هما محل جدل كبير في علوم السياسة والاجتماع وعلم النفس، وهما مفهومين متداخلين، فبينما يغطي مفهوم الجنسية الجانب القانوني الذي تترتب عليه الحقوق والواجبات نتيجة للانتماء إلى حيز جغرافي ذات سيادة، بالمقابل يلبي جانب الهوية (Identity) أو الانتماء (Belonging) الحاجة النفسية للإنسان ليكون جزء من كل أكبر (ومَا أنَا إلا من غَزِيَّةَ إنْ غوَتْ .. غوَيْتُ وإنْ تَرشُدْ غزَّيَةُ أَرْشُدِ)، وهذا ما يوفر له الإحساس بالقبول، والأمان، والتضامن، ويفتح له أبواب الاتصال والتواصل مع من يعتقد أنه يشبهونه دون الحاجة لشرح نفسه أو التعريف بماهيته. مفهومي الجنسية والانتماء يمكن أن يكونا متداخلين أو متقابلين أو متطابقين بحيث يعني الأول الثاني أو العكس، فدرجة الانحراف عن بعضهما البعض تتوقف على عوامل كثيرة، ليست من مقاصد المقالة التوسع فيها.

لقد لعب مفهوم الجنسية والانتماء دوراً محورياً في تشكيل تاريخنا السياسي الحديث، حيث كان قطاع معتبر من الشعب الإرتري خلال فترة تقرير المصير يحس بالانتماء إلى الإمبراطورية الإثيوبية مجذوباً إلى الألق المرتبط بالتاج الإمبراطوري من جهة، والولاء لقداسة الكنيسة الارثوذكسية من جهة أخرى. غير أنه في تلك الفترة ايضاً ظهر بشكل أقل بريقاً مشروع (تغراى- تغرنية) ومفهوم الانتماء الهوياتي إلى (التغراي) والتي كانت تحكم إثيوبيا قبل أن يستخلص منيلك العرش ويتحول محور النفوذ والثروة والقداسة إلى الأمحرا. ومعلوم أنه عندما حاول السيد تدلا بايروا الانتقاص من السيد ولدآب ولدماريام واصفاً أياه بأنه لا ينتمي لإرتريا، كان رد الأول أن من لا يحمل أصول تغراوية لا يمكن أن يكون إرترياً اصيلاً في محاولة خفية للإشارة إلى الأصول البعيدة للسيد تدلا بايرو.

بيد أن انتقال السلطة والنفوذ إلى الأمحرا في شوا، وعدم وجود حراك موازي لحراك (تغراى تغرنية) الارتري في إقليم تغراي، جعل من مشروع (تغراي- نغرنية) مشروعاً غير مجدي سياسياً، ولم تجد هذه الكتلة في أطروحات الكتلة الاتحادية مع إثيوبيا مع يتوافق أو يتقارب مع توجهاتها ولذا انتقل دعاة هذا المشروع بعد تشكيلهم الحزب الليبرالي التقدمي الإرتري بقيادة الرأس تسما بسهولة إلى التحالف مع الرابطة الإسلامية وشكلا ركناً صلباً ضمن الكتلة الاستقلالية.

ويكاد التماهي في المآلات بين مشروع (تغراي- تغرنية) التاريخي، والحالي والذي تكاد كل الحركات والأفراد الداعين له والمبشرين به متواجدين بشكل أو بآخر في حراك برقيد نحمدوا، ابتداءً بالتنظيم الذي أنشأه يوسيف قبرهوت (غرس السلام والديمقراطية في إرتريا) وحركة (المستقبل المشرق) وغيرها من الحركات التي لا يتردد قادتها في الاعتزاز بهويتهم التغراوية يصل حد التطابق، فما أن تلاشت طموحات النخب التغراوية في الاستمرار حكم إثيوبيا بعد الإطاحة بحكمهم في عام 2018م، وتقلصت مساحة الحكم الذاتي الواسع للإقليم مع بدء الحرب بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير التغراي، حتى وجد مشروع (تغراي- تغرنية) بشكله الجديد يجعل من إرتريا والحكم الديمقراطي الرشيد بعد إسقاط نظام أسياس هو مرتكزه الأساسي، كما جاء في بيان (غرس السلام والديمقراطية في إرتريا) حيث تأتي الفقرة الرئيسية في بيانهم التأسيسي على النحو التالي (إن الهدف الوحيد للتنظيم هو إنقاذ إرتريا، وتحقيق السلام والعدالة والحرية والديمقراطية والتنمية لجميع مواطنيها، وإدراكًا منا لحقيقة أن هذا لا يمكن أن يتحقق إلا بعد إزالة النظام أولاً ثم إقامة حكومة انتقالية بمشاركة كافة قطاعات الشعب الإرتري، لذا فنحن ملتزمون بتحقيق الأمرين على وجه السرعة الممكنة). ليس هذا وحسب، بل رأينا كيف أن برقيد نحمدو جعل من علم المشروع الوطني (الأزرق الموشح بغصن الزيتون الأخضر) شعاره في كل أنشطته، وهو أمر لا يختلف كثيراً عما آل إليه مشروع (تغراى- تغرنية) التاريخي، حيث أصبح رموزه من رموز المشروع الوطني الإرتري الذي يؤمن باستقلال وسيادة ووحدة إرتريا أرضاً وشعباً ومن ثم العمل بشكل حثيث لتحقيق ذلك.

بيد أنه في الساحة الحالية من الصعب المقارنة بين قيادات مشروع تغراي تغرنية التاريخي وبين القيادات التي تتصدر الحراك الحالي، كما أنه بالمقابل لا يوجد من هم في مقام رموز الرابطة الإسلامية الذين التقطوا تلك الإشارات الإيجابية من قادة حراك (تغراي-تغرنية) ورحبوا بهم كرصيداً مهم في الحراك الوطني الداعي للاستقلال، وشكل ذلك القبول القاعدة الصلبة التي تكسرت عليها المشروعات الأخرى، سواء مشروع التقسيم أو الضم القسري لإثيوبيا، كما شكلت تجربة الكتلة الاستقلالية رصيداً ملهماً للحركة الوطنية الإرترية حتى الاستقلال الكامل في عام 1993م.

حراك برقيد نحمدو من منظور محلي

بالرغم من الأصوات العالية التي تصور من حراك برقيد نحمدو حراك هوياتي المنطلق بما يتجاوز حدود الدول القومية، ويشكل تهديداً لوجود الدولة الإرترية، لكن ليس من العدل الحكم على كل الحراك من هذه الزاوية القاصرة التي لا تتجاوز الأصوات العالية في وسائط التواصل الاجتماعي والتي بطبيعتها بيئة مشجعة لمثل هذه الأصوات. أن النظر إلى الحراك من المنظور المحلي توفر زاوية أكبر وأكثر دقة في معرفة طبيعة الحراك. وإذا كنت معارضاً نشطاً تشارك في الفعاليات المختلفة للمعارضة خلال العقدين الماضيين، فإن كل ما تحتاجه هو النظر الى مدينتك أو دولتك حيث تقيم، ومن ثم التأكد من الذي ينتمي الى الحراك بشكل منظم، ومن الذي يدعم ومن الذي يتعاطف، ستجد أن أغلبهم أصدقائك معارفك ورفاقك الذين عملت معهم طوال السنوات التي مضت في مواجهة النظام الدكتاتوري بما تيسر من وسائل. ستجد معظمهم من الذين يؤمنون بالمشروع الوطني ووحدة إرتريا أرضاً شعباً وسيادة، ويطمحون في إقامة دولة إرترية ديمقراطية لكافة شعبها. بيد أن الفرق بينك وبينهم أنهم لا يتخوفون كثيراً من الأصوات العالية حول المشروعات الهوياتية التي تتجاوز الحدود القومية، ذلك إما لأنهم يدركون أن احتمال تحققه أقرب الى الصفر كما كان المشروع في صورته التاريخية، أو أنه حتى في حال تحققه فهو لا يخيفهم لأنه لا يمس مصالحهم بشكل مباشر.

وحتى أقرب الصورة أكثر، استحضر صورة مجموعة من الارتريين في أستراليا جلهم من مسيحي الهضبة استطاعوا جمع مبلغ يتجاوز الخمسة وعشرين ألف دولار في ليلة واحدة لمساعدة الحراك، وجلّ الذين شاركوا في المساهمات هم من الذين نعرفهم لأكثر من عقد من الزمان ولم تتزحزح قناعتهم قيد أنملة حول الحفاظ على سيادة إرتريا ووحدة شعبها وإقامة نظام ديمقراطي بالجميع وللجميع.

مثل هذا المنظور المحلي يوفر رؤية أكثر واقعية وتساعد أكثر في تحديد المقاربة المناسبة للتعاطي الإيجابي مع هذا الحراك، بدلاً من الصورة المستوحاة من مقاطع وسائط التواصل الاجتماعي.

حراك برقيد نحمدو والحلول التجزيئية لمشكل يتطلب حلول شاملة:

لقد شهدت ساحة الإرترية المعارضة الإرترية طوال العقود الثلاثة الماضية الكثير من مقاربات الحلول المنطلقة من مظالم تتعلق بالقومية أو الدين أو الجغرافية وفي هذا الصدد رأينا تنظيمات ذات توجهات دينية، أو قومية أو مناطقية، ولكن أياً من هذه التنظيمات لم يتمكن أن يجمع حوله القواعد التي يزعم أنه يمثلها دع عنك أن يتجاوزها الى غيرها من المكونات. ليس من الصواب الحكم على قيام مثل هذه التنظيمات ذات الحلول التجزيئية على أنه خطأ في حد ذاته، فهي في الأصل صدى لمشكلة يتحمل مسؤوليتها الكاملة النظام القمعي في إرتريا. أن المظالم التي ارتكبها النظام هي مظالم ذات أبعاد متعددة ولا يمكن أن نلوم الضحايا إذا جاء تفسيرهم للمظالم على أساس الدين، أو القومية، أو العرق، أو الإقليم، ومن ثم جاءت مقارباتهم للحلول منطلقة من ذات التفسير. وإذا كان تأسيس مثل هذه التنظيمات أو تقديم مثل هذه المقاربات مفهوماً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه توجه سليم ويخدم القضية الأساسية وهو إحداث التغيير في إرتريا وإقامة نظام ديمقراطي يسع الجميع ويعالج كافة المظالم. إن تجربة أكثر من عقدين من الزمان للمعارضة عبر تنظيماتها أو مظلاتها السياسية وحركاتها الشعبية كفيلة بكشف عجز المعارضة مجتمعة على طرح نفسها كبديل محتمل للنظام سواء كان ذلك لدى محيطها الإرتري المحلي، أو الخارجي ببعديه الإقليمي والدولي، وإذا كانت المعارضة مجتمعة عاجزة عن ذلك فإن رواد الحلول التجزيئية أعجز بطبيعة الحال.

وإذا كان حراك برقيد نحمدو لا يحمل في جوهره حلول كلية شاملة، لأنه لا ينطلق من رؤية شاملة للمشكك الإرتري، لكن هناك ما يميزه عن غيره من المقاربات التجزيئية التي تحدثنا عنها:

  • ديناميكيات المجتمع الذي يشكل قلب هذا الحراك مختلفة عن غيرها من المجتمعات الأخرى التي تبنت حلول تجزيئية منطلقة من تفسيرها للمظالم التي حاقت بها، وقد ساعد نمط الحياة المرتبط بطبيعة الجغرافيا، والاستعمارات المتعاقبة على إرتريا خاصة الاستعمار الإثيوبي ونظرته التفضيلية لهذا المجتمع أسهمت في منتوجها التراكمي في جعل هذا المجتمع أكثر التزاماً بالعمل الرأسي المنظم، وبالتالي كانت نتائج مجهوداته أكثر إثماراً من غيرها من الجهود.
  • إن الميزة التفضيلية التي أتاحها النظام لهذا المجتمع خلال العشرية الأولى من عمره، ومن ثم الأرضية الثقافية واللغوية المشتركة مع النظام في الهوية المركزية التي سعى النظام لترسيخها، تجعل هذا المجتمع أكثر معرفة وقدرة على مواجهة تكتيكات النظام.
  • الاحتشاد المنظم ضد النظام في حد ذاته هو خصماً على القاعدة الاجتماعية التي ظلت ولا يزال بعضها يسند هذا النظام، وهو ما يساهم ليس في أضعاف النظام وحسب، بل ومنازعته في الأرضية الشعبية والاخلاقية لاستمراره.
  • لقد ساهمت سياسات النظام في تغرنة إرتريا في جعل هذا المكون أكثر ارتباطاً وتواصلاً مع الداخل الإرتري لضرورات عملية، وهذا عامل جوهري حاسم في العمل لإحداث التغيير.
  • الأوضاع الإقليمية خاصة في إثيوبيا، وإقليم التغراى تحديدا والتي تتيح مرونة الحركة لهذا الحراك أكثر من غيره.

كل هذه السمات وغيرها، ساهمت في أن تجعل من هذا الحراك ظاهرة تستحق الدراسة الجادة ليس من أجل فهمه فقط، ولكن لتحديد الصيغة المثلى للتعامل معه، فهو ليس حراك هامشي، أو ظاهرة عابرة، بل هو تطور أو تمظهر لغضب ظل يتراكم طوال السنوات الماضية، وأخذ ويأخذ شكلاً مختلف كل مرة، ويمكن أن نعتبر مظاهرة جنيف الأولى ثم حركة كفاية (يأكِّل)شكل من أشكال تمظهرات الأولية لهذا الحراك، لذا فإن  أهمية هذا الحراك لا تكمن في الشكل التنظيمي الحالي لـ(برقيد نحمدو) والذي تعتريه الكثير من المشكلات والصراعات والتحديات، فالحراك تحت هذا المسمى قد يستمر أو قد لا يستمر فذلك محكوم بعوامل كثيرة ليس هذا مقام تفصيلها، ولكن المؤكد حتى إذا خفت حدة هذا الحراك، فإنه سيتمظهر في شكل آخر ربما أكثر عنفاً وتطرفاً طالما استمر النظام الذي ظل يحق شرايين مستقبل الأجيال المتعاقبة بالسم.

كيفية التعاطي معه

إن حراك بهذه الأهمية في وقت مفصلي في التاريخ السياسي الإرتري، يستدعي التوقف عنده بشكل منهجي، والتعامل معه وفق قراءة متأنية بدلاً من إصدار الأحكام المتسرعة، وحتى نحدد كيفية التعاطي معه لابد من إرساء بعض القواعد الأساسية:

أولاً: إن هذا الحراك مهما قيل عنه أو عليه، تبقى الحقيقة، إن النظام الإرتري هو المسؤول الأول عن ظهوره وطبيعة منهجه ووسائله. أن سياسات النظام في تشريد الشباب، وجعلهم فريسة سهلة لمشروعات خارجية سواء كانت اقليمية أو دولية هي السبب المباشر. يجب أن نتذكر أن الشعب الإرتري بعد ملحمة نضالية لا نظير لها في التاريخ الحديث حقق من خلالها استقلاله، وحين تم إجراء استفتاء بإشراف دولي سلم الشعب الإرتري هذا النظام دولة ذات سيادة برقم قياسي بلغ 99% من الشعب الإرتري الذي صوت بـ (نعم للاستقلال) ومن بين هذا الرقم صوت الإرتريون الذين كانوا في إثيوبيا لصالح الاستقلال بنسبة 98%. وعليه إذا كانت هناك أي مشروعات تمس السيادة الإرترية ويتماهى معها بعض من مكونات الشعب الإرتري، فإن ذلك حدث نتيجة لسياسات النظام، ولو لم يشرد النظام الشباب الإرتري لما وجد المتهم الرئيسي في تأجيج هذا الحراك (الجبهة الشعبية لتحرير تغراي) من يتماهى مع مشروعاتها، كما أن أفكار يوسيف قبرهوت لم تكن لتجد بيئة خصبة يمكن أن تثمر فيها مشروعات هوياتية عابرة للحدود القومية للدول.

ثانياً: إن مشروع (تغراي- تغرنية) هو مشروع لم يكتب له النجاح في الماضي، وهو مشروع غير قابل للنجاح في المستقبل المنظور، فهو مشروع يتصادم مع كل قواعد القانون الدولي والقواعد الحاكمة للعلاقات الدولية والمنظمات الدولية والإقليمية التي تقوم جميعها على احترام حدود الدول ذات السيادة، وبالتالي تصور أن إقليم في دولة يمكن أن يبتلع دولة أخرى هي مخاوف غير مبررة لأن احتمال تحقيق ذلك يكاد يكون صفراً سواء كان ذلك سلماً أو حرباً، وعليه يجب قراءة الشعارات التي يرفعها البعض ممن هم في قيادة حراك برقيد نحمدو في سياقها الواقعي والمعقول، وأن نميز بين الرغبات والأحلام وبين الممكن في ظل المعطيات الداخلية لكل من إثيوبيا وإرتريا، والمجتمع الإقليمي والدولي.

ثالثاً: إن الادعاء بأن الناشطين في حراك برقيد نحمدو هم ليسوا ارتريين وإنما من التغراي، وأن الحراك هو من صنيعة الجبهة الشعبية لتحرير تغراي، هو توصيف تبسيطي كسول، ولا يعدو إلا أن يكون هروباً من المسؤولية الاخلاقية والسياسية للتعاطي مع ظاهرة لها تأثيرها المحسوس في واقع المعارضة، وقد يكون لها تأثيرها في المستقبل، فالحقيقة أن الغالبية التي تنشط في الحراك هم إرتريين، كما أن الحراك في رمته هو رد فعل لممارسات ممنهجة للنظام الإرتري طوال الثلاث عقود الماضية. صحيح قد يكون بينهم قلة من التغراي، أو البعض من قادة الحراك الذين يدعون أن هويتهم تغراوية، وصحيح أن الجبهة الشعبية لتحرير تغراي لها دور سواء بشكل مباشر أو غير مباشر في ظهور ودعم الحراك، ولكن كل ذلك عوامل ثانوية وما كان هذا الحراك ليكون من الأساس لولا ممارسات النظام وتشريده لشعبه وحرمانه من أبسط الحقوق الآدمية.

رابعا: هناك حقيقة يجب أن ندركها ونتقبلها ونتصالح معها، وهي أن العالم اليوم متداخل يتأثر ببعضه البعض، ولا توجد سياسة داخلية أو خارجية لدولة ما لا تأخذ في الاعتبار أو تتأثر بما حولها. واضعين حجم إرتريا وموقعها الاستراتيجي، ومجاورتها لدول كبيرة مثل إثيوبيا والسودان والمملكة العربية السعودية، واشتراكها في المكونات الاجتماعية مع كل من السودان وإثيوبيا وجيبوتي، فالمؤكد أن هذه العوامل سيكون لها تأثير في سياسات أي نظام يحكم إرتريا في المستقبل. غير أنه لعوامل كثيرة فإن التأثير الإثيوبي سواء كدولة فيدرالية، أو أقاليم مجاورة خاصة التغراي، وبدرجة أقل العفر سيكون له انعكاس أكبر على مستقبل إرتريا. هذه التأثير والتأثر يمكن أن يسهم إيجاباً أو سلباً في استقرار إرتريا وسلامة أراضيها ورفاهية شعبها، وبالتالي كلما كان التعاطي مع هذه المحددات بشكل بناء وواعي، كلما قل الخطر ورجح التأثير الإيجابي. أن خصوصية تأثير التغراي دون سواهم له أبعاد تاريخية واجتماعية وسياسية، وبالتالي ليس من الوعي السياسي أن نتغافل عن هذا الدور في الحاضر والمستقبل، بل المطلوب، هو إدراكه بشكل واعي والتعاطي معه ايجابياً ليكون في مصلحة شعوب المنطقة واستقرارها وليس العكس.

الخاتمة:

إن حراك برقيد نحمدو هو في جوهره تمظهر لغضب متراكم جراء سياسات النظام، وقد ساهمت عوامل اجتماعية وسياسية داخلية واقليمية في ظهوره في هذا التوقيت وبهذا الشكل، وهو واحد من الظواهر المعدودة التي أربكت النظام الإرتري، وبالتالي ليس من الحكمة التماهي مع توصيفات النظام أو سياساته في شيطنة الحراك، ولكن في نفس الوقت ليس من الحكمة أيضاً التغافل عن أوجه القصور التي تتعلق بطرحه ومنهجه. واضعين في الاعتبار القواعد التي أرستها المقالة في الفقرة السابقة، فإن المطلوب تعاطي إيجابي بناء مع هذا الحراك وليس التماهي الأعمى معه. إن القوى السياسية والمدنية والناشطين والباحثين عليهم مسؤولية أكبر في صياغة خط يراعي الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت الى ظهور الحراك بشكله الحالي، وفي ذات الوقت تنتبه لطبيعة الحلول التي يقترحها قادة الحراك سواء ذات الرافعة الاجتماعية المحدودة، أو الهويات العابرة للحدود القومية للدول، ولا يتم هذا إلا من خلال مد خطوط التواصل وبناء جسور الثقة مع الحراك وقادته وقواعده، ودعمه في الأهداف المشتركة المتمثلة في التصدي للنظام القمعي وسياساته، في ذات الوقت الاشارة الى كل أوجه القصور التي تعتري الحراك، والمساهمة الفاعلة والمباشرة أو غير المباشرة في معالجة أوجه القصور إذا كان ذلك متأتياً، فحراك بهذه الأهمية ليس من الحكمة تجاهل وجوده أو تأثيره على الحاضر والمستقبل الإرتري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى