العصبيات، وغياب دور المثقف الإرتري.
العصبيات، وغياب دور المثقف الإرتري!
نقلاً عن راديو التوق
خاض شعبنا الإرتري نضالاً طويلاً ومريراً من أجل الحرية والتغييرالديمقراطي، منذ استقلال البلاد، وظهور بوادر الاستبداد. ولكن بالرغم من ذلكتعثّر التغيير وطالت ليالي الظلم. وبالطبع هناك أسباب أدّت لذلك؛ من أبرزهاانتشار العصبيات بمختلف أشكالها، وصمت المثقف، أو تقاعسه عن أداء دوره، مما جعل حراكنا بلا تقدّم.. وكأنّه يدور في حلقة مفرغة… مكانك سِر!.
لا نقول هنا أنّ العصبيات الدينية، والقبلية، والجهوية لم تكن موجودة قبلبروز سلطة الهقدف، وتفرّدها بالحكم، لأنّ تلك العصبيات في حالتها الطبيعية، باعتبارها إنتماءً وهوية، وبتجذرّها في التاريخ والثقافة لدى المكوّنات الإرترية، لمتكن مشكلة في حدّ ذاتها، بل صارت كذلك حين تمّ استخدامها سياسياً من قبلالسلطة الحاكمة؛ فبدل إدارة التنوّع بعدالة، تحفظ إنسانية وكرامة المواطنالإرتري، عملت على جعله مصدراً لصراعات عقيمة لا تهدأ، عبر سياسة فرّقتسد، التي انتهجتها. مما أدّى بدوره إلى انقسام المجتمع الإرتري، وبالتالي غيابهويّة وطنية جامعة، وتآكل الثقة بين المواطنين.
في ظل واقع مأزوم كهذا، كان من المفترض أن يؤدّي المثقف الإرتري دوره؛ أنيكون صوتاً واعياً كما يجب أن يكون عليه، وناقداً، ومحذّراً من مخاطر الانقسام. لكن هذا الدور ظلّ غائباً إلى حدّ كبير.. إلاّ ما ندر من أسماء قليلة تُعد علىأصابع اليد .. فلماذا حدث ذلك؟.
تتعدّد الأسباب … هناك من صمت خوفاً من القمع، أو الاعتقال والتغييبالقسري أو التصفية الجسدية؛ ولا يمكننا هنا إغفال أن البيئة القمعية التييفرضها النظام في الداخل، وفي الخارج عبر التخويف الممنهج للمعارضين، باستهداف ذويهم وممتلكاتهم ، ساهمَ بقدر كبير على قدرة المثقف على أداءدوره.. وهناك من صمتَ تواطؤاً؛ إما بدافع الانتماءات الضيقة، أو انسجاماً معخطاب السلطة.. وهناك من انحازَ بشكل مباشر، وشاركَ في ترويج خطابالكراهية، ونشرِ الشائعات والتضليلِ، وتخوين الآخر وتشويهه، وتعميقالانقسامات، وهناك المثقف الأناني؛ من نأى بنفسه بعيداً عن هموم الوطن، وسعىلخلاصه الشخصي، ومنفعته. وفي ظل تقاعس المثقف الذي يُفترض أنه معارضللسلطة، عن أداء دوره، يجد المواطن نفسه مشوّشاً، يتلقّف الخطاب.. ويتبنّاهُ على أنه حقيقة.. يشعر بالتهديد، فيبدأ بالانكفاء على مجموعته، والانغلاق داخلحدودها الضيقة، بحثاً عن الأمان. وهكذا تعمّ الكراهية بين أبناء الوطن الواحد، وتغيب الوحدة الوطنية، التي هي أساس أي تغيير ديمقراطيّ حقيقيّ.
إذا كنا جادّين في بناء مستقبل أفضل لنا وللأجيال القادمة، فلا بدّ منمواجهة هذا الواقع بشجاعة. علينا أن نرفض خطاب الكراهية، وأن نحارب سوياً كل من يروّج له… يجب ألا نخشى من مواجهة جميع من يعملون على توسيعالهوة بين مجتمعنا الإرتري؛ نبدأ أولاً بأقرب الناس إلينا، من تربطنا بهم صلاتقُربى، أو عمل، أو مجاورين لنا في السكن؛ نحاورهم بهدوء وحكمة.. بثباتٍ نابعمن مبادئ وقيم الثورة الإرترية المجيدة، وصمود سنوات النضال الطويلة.. واضعينمصلحة شعبنا نصب أعيننا.
ويبقى العبء الأكبر في محاربة الانتماءات والولاءات الضيقة، على المثقفالذي اختار معارضة النظام الحاكم، عن وعيٍ تام.. الذي اختار الوقوف إلى جانبشعبه، وإلى الجانب الصحيح من التاريخ… هذا المثقف يجب أن يتحلّىبالشجاعة والمعرفة معاً، بحيث تفيده المعرفة بتكوين فكرة شاملة عن مشاكلشعبنا، تلك المشاكل الحقيقية وليست المتوَهمة، التي يبثّ سمومها عناصر النظامالحاكم.. وتفيده الشجاعة في قول الحقيقة كما هي دون مواربة، أو مجاملة، أوتمييع. وعليه قبل كل شيء ألاّ يتأثّر بسُعار وسائل التواصل الاجتماعي… فالمثقف الحُر يُفترض أنه يمتلك حصانة ضد تلك الأمراض.. وهو لذلك لا ينجرفمع خطاب التحريضِ؛ بل يتبنّى خطاب الحقيقة، وهو دوماً يتحرّى الصدق قولاً وفعلاً.. لا يطبطب على الجراح، لا يخدّرها، بل يخرجها إلى العلن، ويحاول إيجادالحلول والدواء الناجع لها حتى تطيب.
إنّ أولى العتبات نحو التغيير الديمقراطي تبدأ حين ينجح المثقّف فياستعادة دوره الحقيقيّ في محاربة كل المشاكل الناجمة عن تأجيج العصبيات، والعمل على نشر الوعي الحر بشجاعة ومسؤولية.



