مقالات

كيف نغيّر واقعًا هربنا منه؟ قراءة نقدية في تجربة المعارضة الإريترية.

كيف يستقيم أن نهرب من واقعنا بكلّيتنا، ثم نزعم أننا نناضل من أجل تغييره؟

بقلم / إبراهيم أللولا

إن هروب مقاتلي الجبهة، أفرادًا وقيادات، من ساحات النضال في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن مبررًا بالنسبة للمواطن الإريتري الذي احتضن الثورة وتحمل تكلفتها بكل أشكالها، سواء داخل الوطن أو في المهجر القسري. وحتى اليوم، لم تُعرف الأسباب الحقيقية لذلك الانسحاب الكبير، ولا لتسليم العتاد والممتلكات إلى جهات سودانية “تسليم مفتاح”، كما يقال، بينما استولى تجار البشر على جزء منها عبر المنافذ والمعابر المختلفة.

حينها استعان عامة الناس بالله، حمدًا وشكرًا، ظنًا منهم أن في القدر بقية، وأن نهاية “الجبهة الأم” لا تعني نهاية النضال، بل بداية مرحلة جديدة تقودها الجبهة الثانية، التي رآها كثيرون القطار الوحيد الذي ينبغي أن يستقلّه كل مقاوم إريتري، لتتوحد داخله الجهود والطاقات من أجل تحرير الأرض من المستعمر الأجنبي أولًا، ولكل حادث حديث، كما يقول العرب عندما لا تتضح المقاصد في الأفق.

ورغم اختلاف معظم المسلمين مبكرًا مع منهج الجبهة الشعبية وبرامجها وسياساتها وممارساتها، فإنها ظلت بالنسبة للكثيرين الخيار الوحيد لاستمرار مسيرة النضال. وما حدث لاحقًا، وما يزال يحدث حتى اليوم، نعرف جميعًا أنه كان، بدرجة أو بأخرى، من صنيع أيدينا، مهما كانت الظروف التي دفعتنا إلى ذلك.

وفي هذا المقام، لن أتوقف كثيرًا عند الهروب الأول من ساحات النضال، بل عند الهروب الثاني من ساحات الوطن بعد التحرير. صحيح أن النظام أحكم قبضته على البلاد بعد أن استدرج معظم القيادات الميدانية والسياسية والكوادر المتقدمة، عبر إغرائهم بوظائف وهمية محدودة الصلاحيات، بينما عادت بقية مكونات الشعب طواعية، أفواجًا من مختلف بقاع العالم، من خريجين وأصحاب تخصصات رفيعة ومهنيين ورجال أعمال، رجالًا ونساءً، حاملين معهم الأموال والخبرات والتجارب.

غير أن النظام الحاكم كان يمتلك، فيما يبدو، مخططًا طويل الأمد لتفريغ هؤلاء تدريجيًا من أدوارهم وتأثيرهم، عبر برامج وسياسات مدروسة بعناية. وقد أدت هذه السياسات إلى فقدان كثيرين ثقتهم بأنفسهم، كما أفقدت أصحاب الشهادات تخصصاتهم بسبب عدم الممارسة، وأهدرت أموال رجال الأعمال والتجار الصغار. كذلك أسهمت سياسات التعليم القائمة على لغة الأم، بصورة متعمدة، في إضعاف الأجيال المستهدفة معرفيًا وثقافيًا. وهكذا لم يعد الوطن مجرد سجن كبير، بل تحول إلى نفق مظلم.

ومع غياب الاستعداد لدفع ضريبة جديدة، بدأت مرحلة الهروب الثاني، والأكبر كلفة. صار كل فرد يفكر في كيفية النجاة بنفسه، حتى وإن اضطر إلى ترك أسرته مؤقتًا. والأخطر أن النظام بدا متماهيًا مع موجات الهروب، بل ومشجعًا لها بوسائله الخاصة، إذ ظلت المنافذ مفتوحة للخروج، بالتزامن مع تسهيلات غير مسبوقة للهجرة واللجوء للإريتريين دون غيرهم، في كثير من الدول. وحتى المقيمون خارج إريتريا كانوا يجدون ترحيبًا واسعًا عند وصولهم إلى أوروبا، وهو أمر ما تزال دوافعه الحقيقية تثير التساؤلات حتى اليوم.

وبالعودة إلى السؤال الأساسي: كيف يمكن أن نزعم أننا نناضل من أجل تغيير واقع هربنا منه، بينما وجدنا واقعًا بديلًا لا نستطيع التخلي عنه؟

فمن يقول إنه سيتخلى عن جنسيته الحالية وأسلوب حياته ويعود مع أسرته إلى الوطن، قد يكون واهمًا أو يخدع نفسه والآخرين. وحتى إن امتلك الرغبة الحقيقية في العودة، فإن الظروف الموضوعية تجعل ذلك شديد الصعوبة. وهذا يقودنا إلى حقيقة مؤلمة: لا يمكن تغيير واقع لم نعد جزءًا منه. وإذا كانت لدينا رغبة حقيقية في التغيير، فلا بد من وجود صلة مباشرة بالوطن وبالإنسان الذي يعيش داخله. فالأقوال وحدها لا تكفي، لأنها تحتاج إلى أفعال، والأفعال تحتاج إلى تماس مباشر مع الواقع.

وتبقى أسئلة كثيرة تفرض نفسها:

  • هل نحن، معارضي النظام بمختلف توجهاتنا وفي مختلف الجغرافيات، من ساهم — بصورة مباشرة أو غير مباشرة — في إطالة عمر النظام لأكثر من ثلاثة عقود؟
  • وهل نملك فعلًا إرادة حقيقية لتغيير النظام؟
  • وهل لدينا الاستعداد للعودة إلى الوطن إذا تغير النظام، بغض النظر عمّن أحدث التغيير؟
  • وكم ستكون نسبة العائدين فعلًا من أولئك الذين استقروا نهائيًا في أوطانهم البديلة؟
  • وكم عدد الذين يملكون مساكن أو مصادر رزق يمكن أن تعينهم على الحياة إذا عادوا؟

إن أوضاعنا تحتاج إلى مناقشة واقعية، والبحث عن حلول ومعالجات حقيقية. فالنظام لم يكتفِ بالسيطرة على الأرض، بل امتلك الإنسان قبلها، وجرده من إنسانيته وآدميته، قبل أن يجرد الأرض من سكانها. كما غيّر التراث والثقافة والعادات والتقاليد، قبل أن يغيّر الجغرافيا والديمغرافيا. وأصبح الإنسان الإريتري المسلم، على وجه الخصوص، أشبه بدمية تُحرّك عن بُعد، حتى أولئك الذين يعيشون خارج الوطن. لقد أفقد النظام الإنسان ثقته بنفسه، وسلبه قيمته، والإنسان الذي يفقد قيمه يفقد قيمته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى