مقالات

وجاءت ذكرى ما كنت عنه تحيد! بقلم / فتحي الضو

14-May-2015

عدوليس ـ ملبورن ـ

هذا بوح خاص لأصدقائنا الذين رأؤوك وأحبوك، والذين أحبوك ولم يروك، والذين أحبوني وأحبوك وبادلناهم جميعا حباً بحب، وهل نملك شيئاً غيره في هذه الدنيا؟ يجيؤك حديثي هذا في ذات المساء المُخضب رعشةً. فأنا أكتب في ذات اللحظة التي شهق فيها التاريخ وزفر الموت زفراته الحري، كان ذلك قبل أربع سنوات يحسبها المكلوم مثلي أنها أربعون عاماً أو تزيد.حلّت اليوم ذاكراك الرابعة، أكتب إليك مساء الحادي عشر من شهر مايو2015 توالت السنين

منذ رحيلك المفجع وأنا لا أعلم عنها شيئاً سوى أيام تأخذ برقاب شهور، وشهور تتوكأ على ظهر سنين، وسنين تتساقط أمام ناظري كما تتساقط أوراق الأشجار لتؤذن بحلول فصل الشتاء.ما الموت وما الحياة؟ خلوت إلى نفسي اليوم في ساعة صفاء، فنزل عليّ وجهك الوضيء وأنت في النزع الأخير. ذات الوجه الذي زاده الموت جلالاً، وذات الوجه الصبوح الذي لم يعرف غير الابتسام غريزةً. حفه الموت آنذاك برهبته المعهودة، كنت أتابع أنفاسك وهي تتناقص وتشيء بدنو ساعة الرحيل الأبدي. لم يكن البكاء حينها بالأمر الذي يشفي علل الفراق. فطلبت من محبيك الذين تحلقوا حولك وهموا ينازعون النفس بين الأمل والرجاء، أن يغادروا غرفة المستشفى لبضع دقائق، لأبثك حزن تجلدت على إخفائه حتى كاد يصرعني أيضاً.تحدثت إليك حديث القلب للقلب، كنت أود أن يكون صوتي آخر ما تسمعين، وأنت ترحلين بالنفس المطمئنة، التي ستعود إلى بارئها راضية مرضية، لا غاضبة ولا مغضوب عليها، وهل كنت أملك غير ذلك من أسلحة العاجزين أمام الموت وجبروته!لا أدري ماذا قلت، بلا شك أن الذي قلته كنت قد ذريته على سمعك طيلة السنوات التي عشناها سوياً لنحو ربع قرن من الزمان، مضينا في رحلة العمر تلك بحلوها ومرها كما سائر البشر، تقلبنا في المواجع، وتنقلنا في المنافي والمهاجر، نعمنا في رغد العيش وشظفه معاً!عندما حانت لحظة الرحيل الأسطوري، وبعد أن لفظت أنفاسك الأخيرة، توافد علينا المعوزون وأنا لا أدري من أمري شيئاً. نتمتم جميعاً بما أعتاد الناس على قوله وأنا لا أدري من أمري نصباً. فما عسانا أن نفعل في لحظة انتصب فيها الكلام في الحناجر وصار كما الزقوم!ما جدلية الموت وما الحياة؟أجلس أمام ذات الشاشة، ذات الجلسة التي عهدتيني عليها لسنوات. لم أكن في البداية أزمع الكتابة لك في ذاكراك الرابعة هذه، كنت أود أن أقرأ ما سبق وكتبته لك في ذكراك الثالثة. ولسبب ما تركت هذا وفعلت ذاك. ربما أعود وأقرأ ما كتبته لك. فكليهما فيه دواء وشفاء للنفس التي أرهقها الفراق.سأذهب غداً إلى قبرك كما اعتدت أن أفعل، وسألقي على مسامعك أخبارنا وأخبار العالم الذي تركتيه خلفك. سأبدأ لك بالمفرح الذي سيدخل السرور على قلبك. فقد حدث تزامن جميل. فبعد أقل من أسبوع وتحديداً في 17/5 سنذهب وثلة من الأصدقاء الذين تعرفينهم إلى جامعة كولمبيا لنشهد تخرج ابنتنا الصغرى رؤى، بعد سنوات في الكد والاجتهاد لتوفي بما نذرته لك. وبعد شهور قليلة أي قبل أن تحل ذكراك الخامسة سنحتفل بابتنا الكبرى رنا أيضاً، والتي أختارت مجالاً تريد من خلالها أن تجد دواءً ناجعاً لذاك الداء اللعين الذي أصابك وعجل برحيلك عن الدنيا. أما أحمد فهو ما زال يوعدني بما وعدك به ولا يريد أن يبوح به ونحن نتحرى اليوم الموعود. أما صغيرنا الذي الذي تعددت اسمائه كما يقول هو، ويطيب لك أنت مناداته بـ أواب سيدخل عامه الثاني عشر بعد أقل من أسبوعين. ومن عجب كلما ظننته نسى ما نحن فيه غارقون، تذّكره مناسبة (عيد الأم) التي تسبق ذكراك السنوية بيوم واحد!أما أنا فما زلت ذاك الذي تركيته مثخن بجراح وطن تعددت جراحه، ولكنني ما زلت مؤمناً بالخلاص، ومتيقناً من قدوم اليوم المنتظر، وما زلت وفياً لوعد قطعته لك في أن أذهب لقبرك وأبشرك بالنصر العظيم ولو طال السفر. ما زلنا في ذات الدار التي ضمتنا معاً، كلما وددنا الرحيل عنها نازعنتني نفسي. يعز عليّ لأن اغادرها وأتركك وأنت تشغلين كل شبر فيها. رائحتك تضوع في كل أرجاء المكان. أشتم من حين لآخر عطرك الفواح. وما زال كل شيء تركتيه كما هو، كل شيء يقول لي أنك ذهبت لمشوار ما وستعودين سريعاً.وإذا ما خرجت لجوف هذه المدينة أطلب الرزق المتاح – كما قال صلاح عبد الصبور – أشعر بأن كل شارع أو مبني أو مرفق عبرنا عليهم جميعاً وتركنا فيه آثاراً علقت بالذاكرة، حتى المستشفيات التي عاودتيها أثناء رحلة المرض أشعر بأنك تركت بعضاً منك في جوفها.فما الموت وما الحياة؟أرقدي في سلام ولتحفك الطمأـنينة، ولك السلام يا من منحتينا السلام في حياتك ومماتك!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى