مقالات

كيف تحول العداء بين الخرطوم وأسمرا لتقارب وتطبيع؟- محمد سعيد محمد الحسن

24-Oct-2005

الرأي العام

صحيفة الرأي العام السودانية – 23/10/2005م
السودان يرتبط بعلاقات جوار وتاريخ وتواصل ومصالح ووشائج قربى ونسب مع اريتريا وظل تعامله على مدى حقب كثيرة يتسم بالأخوة والمودة والاريحية الى حد تقاسم الموارد المحدودة مع آلاف الاريتريين في الغذاء والكساء والتعليم والصحة والمواصلات، والذين لجأوا اليه، واستقروا في المناطق كافة وفي قلب الخرطوم، وناصر وساند الثورة الاريترية إعلامياً وسياسياً ومادياً منذ مطلع الستينات الى أن حمل القيادة الى حكم اريتريا في مطلع التسعينات، ولكن طموحات أسمرة وحساباتها تبدلت وتغيرت عندما أصبح العداء للخرطوم يشكل مكسباً كبيراً ويأتي لها بالمال والسلاح والإعلام، ويجعل قيادات دولة عظمى مثل الولايات المتحدة تعرف طريقها الى أسمرة وتعلن دعمها لها وتحثها على الدخول في مواجهة مباشرة مع الخرطوم وحضها على الحرب.

وطُرحت تساؤلات مباشرة عن المصالح التي يمكن أن تجنيها أسمرة من وراء هذا العداء الحاد الى للخرطوم والي حد المشاركة العسكرية في غزو أو عدوان ثلاثي مع اثيوبيا ويوغندا في عام 1997م تم توفير الغطاء العسكري والمؤن والمعدات لأحداث الشرق في عام 2000 لقرى آمنة وسكان مسالمين وجاءت إفادات لتفسير هذه الحالة الاريترية أن النظام الاريتري ينظر الى النموذج الاسرائيلي بكثير من الانبهار والاعجاب باعتبار أن تل أبيب دولة صغيرة الحجم تقع في موقع استراتيجي وبالتالي تبني نفسها وقوتها ونفوذها من خلال أدوار نيابة عن الآخرين في المنطقة، ولكن مثل هذا التفسير ظهر أنه لا يتطابق البتة مع مواقع أسمرة وقدراتها فهي جزء من المنطقة وليست نبتاً شيطانياً أو صناعة دولية، وأن نسيجها السكاني متداخل مع القبائل المشتركة وبوجه خاص مع السودان بينما إسرائيل زرعت قرباً من أرض فلسطين عام 1948م وأن سكانها خليط من الفلاشا القادمين من اثيوبيا واليهود القادمين من روسيا وبولندا وسلوفاكيا أو من أوربا وغيرها. ومقابل العداء المستمر من جانب أسمرة ظلت الخرطوم حريصة على ضبط النفس التام وتتمسك بالتقاليد المرعية الإقليمية والدولية بالنسبة لحالة الخروج على المواثيق، واضطرت في 26 يونيو 2005م إلى تقديم شكوى لأمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان ولرئيس مجلس الأمن الدولي ضد نظام الحكم في أسمرة وممارساته الخاطئة والتي تهدف الى زعزعة الاستقرار في السودان وإجهاض العملية السلمية. هذه إشارة شديدة الاختصار لطبيعة العلاقات السودانية الاريترية المتوترة خلال الخمس عشر سنة الأخيرة بقصد توضيح جانب من القتامة والعداء اللذين سادا العلاقات الثنائية وقد يفيد في ذلك معرفة طبيعة الخطوة الايجابية التي اتخذت في اتجاه ازاحة القتامة والعقبات وطي العداء لتسود علاقة أخوية سوية طبيعية مستقرة مثمرة لصالح الشعبين الشقيقين. في اتجاه التطبيع لابد من استرجاع وقائع متداخلة حالت دون التصعيد على الحدود الشرقية ودون نشوب مواجهة حادة محتملة، فلدى وصول التوتر الى حد تقديم شكوى من الخرطوم الى مجلس الأمن ضد أسمرة، اعتبر رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي وراعي طريقة الختمية الصوفية السيد محمد عثمان الميرغني انه معني تماماً بهذه التطورات وبما يمكن أن تعكسه من ترد مريع يؤذي الشعبين السوداني والاريتري ويصنع فجوة، وأن الضرورة تقتضي وضع حد لهذا التصعيد بين الجارين الشقيقين، لأنه في نهاية الأمر لابد من حوار وتفاوض.، ولدى لقائه بمقره في مكة بالدكتور مصطفى عثمان وزير الخارجية السابق ومستشار رئيس الجمهورية الحالي تباحث معه حول العلاقات السودانية الاريترية وضرورة العمل على التهدئة من جهة وإعادة العلاقات الأخوية الى مسارها الطبيعي من جهة ثانية، وحرص الدكتور مصطفى عثمان على تقديم شرح واف من جانبه لمواقف الخرطوم تجاه ما اعتبره عداءات مستمرة من جانب أسمرة، واتفق معه على أهمية استعادة الصلات الثنائية لأن في ذلك خيراً للبلدين وللشعبين ولاستقرار المنطقة، وبادر الدكتور مصطفى عثمان لدى وصوله للقاهرة للإدلاء بتصريحات مفادها أنه مهما اشتد الخلاف فلابد في نهاية الأمر من عودة العلاقات الحسنة بحكم الجوار والوشائج والمصالح المشتركة، وحرص السيد محمد عثمان الميرغني الذي وصف هذا التصريح بالإيجابية على ارساله الى وزير خارجية اريتريا سيد عبدالله وأمين عام الجبهة الاريترية السيد أمين محمد سعيد، كما حث الوفد الاريتري على زيارة مصر والاجتماع بالسيد أحمد أبوالغيط لتناول المسائل ذات الاهتمام المشترك ولدعم السلام في السودان، وعندما أعلن وقتها عن انعقاد قمة في طرابلس لبحث أزمة دارفور، لاحظ السيد الميرغني أنه أغفل دعوة أو مشاركة الرئيس الاريتري أسياس افورقي، فاتصل بالقاهرة وبطرابلس بشأن مشاركة الرئيس أفورقي باعتبار اريتريا معنية باستقرار المنطقة وتم التجاوب مع مطلبه على الفور. وشارك أفورقي في قمة طرابلس السداسية، وتيسر على هامش القمة لقاءه مع الرئيس عمر البشير والذي أفضى الى سحب قدر غير قليل من التوتر والتحفظ، واعتبر اللقاء بمثابة خطوة لتحقيق التقارب السوداني الاريتري. لقاء أسمرة وكبح التوتر وفي لقاء بين الرئيس الاريتري أفورقي ورئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي وراعى حركة الختمية الصوفية التى يدين بالولاء لها غالبية الاريتريين، وكذلك عدد من الوزراء في حكومة افورقي جاء ا لطرح باهمية السعى لتطبيع العلاقات بين الخرطوم واسمرة لصالح الشعبين ولصالح تحقيق السلام الشامل في السودان الى جانب الاستقرار المطلوب للمنطقة، وقال السيد الميرغني:«أننا نسعى لوضع أسس ثابتة لعلاقات اخوية راسخة من منطلق التراث التاريخي المزدوج تجاه السودان واريتريا» وقد وجدنا تفهماً وتجاوباً من القيادة الاريترية وترحيباً وحرصاً وامنت على اهمية اقامة علاقات طبيعية وجيدة بين البلدين ونقل الميرغني وقتها « أن تحسنا ايجابياً سيأخذ طريقة لكبح حالة التوتر ومنع التصعيد واستعادة الاجواء الطيبة، وبدء صفحة جديدة في الصلات الثنائية وحسن الجوار وبناء الثقة والتفاهم المشترك والمتبادل بإذن الله. ونقل لي وقتها السيد الميرغني في يوليو 2005 بالقاهرة «ان نتائج الاتصالات مع المسؤولين في الخرطوم واسمرة اتسمت بالتقارب والأيجابية وانها ستمضى للامام» العلاقات الطبيعية ذات اسبقية وفي حديث لرئيس الدبلوماسية السودانية الدكتور مصطفى عثمان في 21/8/2005 أكد «أنه مهما كان الخلاف بين نظامي الخرطوم واسمرة ستظل عودة العلاقات الاخوية الى طبيعتها وسلاستها جزءاً من أشواق الشعبين في البلدين» «ونحن نشيد ونرحب بالخطوات والجهود التى يبذلها السيد محمد عثمان الميرغني ليس بصفته رئيس التجمع الوطني الديمقراطي ولكن بحكم ثقله الديني في البلدين خاصة في منطقة شرق السودان واريتريا، ونحن نرحب ونثق في الجهود المخلصة التى يبذلها» «ونأمل ان تكلل بالنجاح ونعتبر هذه واحدة من القضايا التى نأمل ان يكون فيها تعاون ايجابي بين الحكومة والمعارضة لصالح البلدين والشعبين». رأب الصدع مع اريتريا وفي إطار اللقاء الهامشي المرتقب بين الرئيس عمر البشير والرئيس أسياس أفورقي، واتصالات السيد محمد عثمان الميرغني مع قيادة أسمرة وحثها على التقارب والتطبيع، أعلن وزير الخارجية الدكتور مصطفى إسماعيل في 23 أغسطس 2005م أن الحكومة فوضت رئيس التجمع الوطني ورئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي السيد محمد عثمان الميرغني للعمل على رأب الصدع بينها وبين الحكومة الاريترية وأبلغته بذلك، كما أبلغه بوجهه نظر الخرطوم بضرورة إزاحة العقبات التي تقف أمام تطوير العلاقات الثنائية، وهي في المقام الأول عقبات أمنية وأن النظام الاريتري مسؤول عنها بتصدير السلاح وزراعة الألغام والمتفجرات وإقامة معسكرات لتدريب المتمردين من دارفور والشرق وجاء التأكيد من جانبه «ان السودان ليس لديه أي عداء مستمر مع اريتريا، وان المطلوب هوالتزام القيادات الاريترية بقواعد القانون الدولي وحسن الجوار ومعاهدة تأسيس الأتحاد الافريقي وعدم التدخل في الشؤون الافريقية، وان العلاقات يمكن ان تعود الى طبيعتها متى ما التزم الطرف الآخر بهذه الموجهات، كانت رسالة الخرطوم في غاية الوضوح وهي رسالة تعتبر ملامحها من المسلمات في علاقات دول الجوار ولم يكن السودان يرغب بأكثر منها فهي توفي بما هو مطلوب بالنسبة لعلاقات ثنائية طبيعية. اسمرة تتجاوب مع الخرطوم ولدى وصول الوفد الرسمي الاريتري برئاسة سيد عبدالله للخرطوم في 10 اكتوبر 2005م بات واضحاً أن التحرك في اتجاه التقارب والتطبيع الثنائى أخذ طريقه العملي فتمت محادثات مع المسؤولين في الخرطوم تناولت الملف الثنائى لمعالجة القضايا الحادة، ولإزالة العقبات أمام التطبيع، وبدا من تصريحات وزير خارجية أريتريا معرفته الجيدة أن الجانب الأمني يمثل العقبة الكبيرة لكي تطمئن الخرطوم لأسمرة «حيث نفى وجود أية معارضة مسلحة داخل الاراضي الاريترية» وقوله: «إن الوقت ملائم الآن للبدء في إزالة العقبات التي تحول دون التطبيع»، «وأن توقيع اتفاق السلام بنيروبي وبجانب توقيع اتفاق القاهرة بين التجمع الوطني والحكومة موضع قبول» و«أن العلاقات بين الخرطوم وأسمرة علاقات تاريخية وجغرافية وأن الخلافات سحابة صيف ستنقشع»، وبالطبع تظل أثقل وأطول سحابة صيف لأنها ظلت تراوح مكانها علي مدى خمسة عشر عاماً». الهم الاريتري في الخرطوم ومن خلال المتابعة للمباحثات الثنائية، بدا أن أسمرة يقلقها وجود المعارضة الاريترية بكل فصائلها داخل الأراضي السودانية وعقدها لمؤتمر عام في الخرطوم وانتخاب أمين عام لها، وأن المعارضة تعقد اللقاءات في مدن شرق السودان وتنشط إعلامياً في الخرطوم والذي ينقل عنها الى الخارج، ولكن وجود المعارضة الاريترية محكوم بضوابط القانون، وهي معارضة سياسية مدنية وليست عسكرية حربية وهي مع الحوار والتفاوض لمعالجة المشكل الاريتري، فهي على غير شاكلة الفصائل العسكرية أو معسكرات التدريب لحاملي السلاح ضد الخرطوم، بل أن الاتهام طال اريتريا بدعم الحركات المسلحة في دارفور والذي أشار اليه نائب رئيس الجمهورية الاستاذ علي عثمان محمد طه في مؤتمر مكافحة الارهاب الإقليمي «إن الدور الاريتري تجاوز حدود المداخلات الداخلية في الحدود الشرقية لأريتريا». طي صفحة العداء والتوتر إن تحرك أسمرة وتجاوبها الجاد مع مطلب السيد الميرغني بإرسال وفد رسمي عالي المستوى للخرطوم شكل عملاً إيجابياً، وبدا أن مهمة الوفد لاقت قبولا وارتياحاً لأن لقاءاته واتصالاته لم تقتصر على المسؤولين السودانيين والممسكين بملفات العلاقات الثنائية وإنما امتدت الى الطابع الودي الأخوي والى لقاءات اجتماعية ولقاءات افطار في هذا الشهر الكريم حيث احتفى به مجلس الصداقة العالمي في مقره. كما أن البيان المشترك الذي تم توقيعه في 13 اكتوبر 2005م اكد علي رغبة الطرفين في طي صفحة الماضي والبدء في صفحة جديدة واتخاذ التدابير العملية اللازمة لتهيئة المناخ بما يعزز جسور الثقة، ووقف الحملات الاعلامية بين البلدين وتشكيل لجنة مشترك برئاسة وزيري الخارجية في البلدين تنبثق عنها لجان فنية تنعقد فوراً لإزالة المعوقات وبحث القضايا المشتركة والعمل لتطويرها، واتفق على أن يزور وفد عالي المستوى من الحكومة السودانية دولة اريتريا لمواصلة الحوار مع التأمين على التواصل المستمر بين الجانبين. وحسبما قال وزير الدولة بالخارجية السيد السماني الوسيلة «فإن الاتفاق يجيء بعد المبادرة الاريترية» بعد مباحثات اتسمت بالمسؤولية، والتي حث عليها وعلى القيام بها رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي وراعي حركة الختمية السيد محمد عثمان الميرغني بعد أن فوضته الحكومة لتحقيق التقارب والتطبيع بين الخرطوم وأسمرة، وكان وصول الوفد الاريتري يعكس التزام الرئيس أفورقي للسيد الميرغني بالحرص على التقارب والتطبيع وانه سيعمل على هذا الاتجاه. التعهدات والأفعال إن القليلين يعرفون أن من العوامل العديدة التي رجحت بقاء السيد محمد عثمان الميرغني في الخارج مسألة تعزيز العلاقات السودانية الاريترية علي الجبهة الشرقية من جهة، ومقابلة تطلعات أهل الشرق بما تستحقه من اهتمام وحرص الى جانب تفجر الأوضاع في دارفور، وجاءت قناعته بأهمية وضع جهده وخبراته لإطفاء الحرائق بشكل نهائى تحول دون مخاطر أو مهددات في الخارج وبحيث يأتي بعد ذلك تركيز الجهد في الداخل لبناء تنظيم سياسي قوي ووحدة وطنية شاملة لتكون سياجاً ومنعة للسلام الشامل والعادل والاستقرار الذي تتحقق فيه التنمية والخدمات لأهل السودان، وهو أي السيد الميرغني إذا أمسك بخيوط موقف فسيفضي دون شك به الى ما هو مطلوب، ووصول وفد اريتري عالي المستوى الى الخرطوم وصدور بيان مشترك يلتزم بازالة المعوقات لصالح التقارب وتطبيع العلاقات السودانية الاريترية وخدمة شعبي البلدين، وتوقع قيام وفد سوداني عالي المستوى لزيارة أسمرة لمواصلة التداول الجاد والايجابي التي تحقق أشواق شعبي السودان واريتريا في علاقات أخوية طبيعية وتواصل سلس وتعامل يعزز المصالح المشتركة ويؤمن الاستقرار في البلدين وفي المنطقة. وبذلك وحده يتم طي صفحة كئيبة في العلاقات الثنائية وفتح صفحة جديدة منفتحة تعزز الوشائج الأخوية وصلات القربى والجوار التاريخية. دور تاريخي للميرغني ان مستشار رئيس الجمهورية الدكتور مصطفى عثمان في حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط اللندنية»: «انه قبل وصول الوفد الاريتري للخرطوم وهو موضع ترحيب واجرائه مباحثات ناجحة كانت هنالك جهود واتصالات عديدة لإزالة التوتر وتحقيق التطبيع بين البلدين الشقيقين، وأشهد للسيد محمد عثمان الميرغني أنه بذل جهداً مخلصاً تجاه تطبيع العلاقات السودانية الاريترية مما سيحفظه له التاريخ»، و«أن هذا الرجل لكونه معارضاً شرساً للحكومة لم يمنعه ذلك أبداً من بذل الجهد والعمل على تطبيع العلاقات السودانية – الاريترية، ونظرته في هذا الجانب تميزت بأنها نظرة استراتيجية تقوم على أساس الروابط الأخوية الشعبية المتميزة بين السودان واريتريا حيث للميرغني والختمية باع طويل في ذلك، فأي لقاء أو جهد أو اتفاق مطلوب لتطبيع العلاقات الثنائية الأخوية وهو مكمل للجهود التي بذلها السيد الميرغني. ومثل هذه الشهادة من جانب شخصية شهد لها بالوطنية والكفاءة والتجرد كالدكتور مصطفى عثمان ينبغي أن تؤخذ بكثير من الاهتمام لأنها شهادة حق لا لبس فيها ولا غرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى