مقالات

عشية عيد الاستقلال … متى يتذوق الشعب الإرتري طعم الحرية ؟؟ : عبد الرازق كرار

23-May-2005

المركز

بقلم : عبدالرازق كرار
يصادف يوم غد الثلاثاء الموافق الرابع والعشرين من مايو الذكرى الرابعة عشر لتحرير إرتريا والثانية عشر لإستقلالها لتكون عضواً في المنظومة الدولية ومنظماتها المختلفة وسائر المنظمات الإقليمية الأخرى .

لقد درج الشعب الإرتري حكومة ومعارضة على الإحتفال بهذه المناسبة العظيمة ، ويحق له الإحتفال فقد تحققت الحرية بعد نضالات جسام خاضها هذا الشعب طوال اربعون عاماً منذ أن ألحقت إرتريا قسرياً عبر حكم فيدرالى مع الإمبرطورية الإثيوبية دون اى ضمانات دولية ، مماجعلها إقطاعية تابعة للأمبرطور هيلى سلاسي الذي لم تكن لطموحاته حدود تحدها ، ومنذ ذلك الوقت وهذا الشعب يدفع الثمن من دماء شبابه ، وإستقراره ليصبح مشرداً ولاجئاً في البلدان المختلفة ، ولقد ظلت هذه التضحيات في تزايد مستمر برغم تغير الأنظمة في إثيوبيا من الرجعية الى التقدمية وفق المصطلحات التي كانت سائدة أنذاك ، وطوال فترة الحرب الباردة بين القطبين ظل المعسكريين الشرقي والغربي يصمان آذانهما عن حقوق هذا الشعب المهدرة ، ولم يلتفت هذا العالم لحقوق هذا الشعب الإ بعد ان استطاعت الثورة الإرترية تحقيق النصر العسكرى وقلب موازين القوى في المنطقة ، وطوال هذا التاريخ ظلت مفردة الحرية هى الإهزوجة الغائبة التي عمل لها الشعب الإرتري في الميدان السياسي والعسكري ، وكانت القاسم المشترك في كل الأهازيج والأغاني الإرترية ، وتجسدت ( ليلى ) الإرتريين في هذه المفردة .كان الثمن شهداء ومعوقين وتشرد وضياع اجيال لكنها الحرية اتت بالمقابل ، لذا فمن حق شعبنا ان يحتفل ويرقص ما استطاع .ولكن لماذا يطلب الإنسان الحرية ؟ ولماذا يضحي في سبيلها بروحه ربما ؟ سؤال فلسفي تتعدد وتتسع الإجابة عليه ، بين فقهاء علم النفس وعلم الإجتماع ، وعلماء السياسية ورجال الدين ، لذا لن أحاو الإجابة عليه بطابعه التجريدي ولكن سأحاول أن أجيب عليه من واقعنا الإرتري ، ربما لاتكون إجابة علمية تستند الى مناهج البحث والإستقصاء بقدر ماهي إجابة شعور شخصي وتلمس الشعور الجمعي من خلال المعايشة والملاحظة ، أن شعبنا الإرتري عندما سعى للحرية لم يكن يدرك الأبعاد الفلسفية للكلمة وللاستحقاقات المادية للمعنى المتحقق ولكنه كان يبحث عن ذاته وكينونته وتلك أولى مفاصل الإجابة ، فالبحث عن الذات هو إحساس فطرى متجسد في الأمم كما في الفرد ، كان شعبنا يبحث عن الحرية لأنه كان يرى الآخريين يتمتعون بأرضه وخيراتها ولايناله منها إلا الفتات ، كان شعبنا محروماً من التعليم وكان يبحث عن ذلك ، كان الفرد من الأسرة يخرج فلا يعود ، فلا تعلم من تسأل عنه ، وليس لشعبنا حق السؤال عن مفقوداته المادية والبشرية ، لذا كان يعيش حالة من القلق الدائم لذا كان يبحث عن الأمن والأمان . إذاً لم يكن يبحث عن العنقاء أو الغول ليكون بحثه عن شئ مستحيل ، كان يبحث عن كلمة تجسد شعارتترجم في اشياء محسوسة تسد نقصاً يحس به ويبحث عن إستكماله .الان وقد جاءت الحرية ورفع العلم في سارية اسمرا والأمم المتحدة هل حقق شعبنا ماكان يصبواليه ؟الإجابة قطعاً ليست فلسفية ولا تحتاج الى تردد للإجابة عليها فشعبنا لازال يبحث عن قيم الحرية ، ويبدو أن رحلته في ذلك الطريق لن تنتهي ، فالحكومة الإرترية التي تحولت من حكومة مؤقتة الى حكومة دائمة دون شرعية دستورية اصبحت حكومة حزب الى ان ضاقت الدائرة واصبحت حكومة فرد لا يكلم الا لنفسه ولا يستمع إلا الى صدى ذاته يعتبر كل راى مخالف ، او نصيحة متعاطف ، مؤامرة من الخارج تستهدف سيادة إرتريا ، وتعاظم إحساس الذات الى ان تضخم فبلغ حداً أصبح وحده الذي يقرر مصلحة هذا الشعب والبلد وأن أى نقد موجه له هو خيانة عظمى تقدح في وطنية قائلها ، وهكذا اصبحت إرتريا سجناً كبيراً لشعبها لا يجد احدهم فرصة الفرار بجلده إلا وأغتنمها لأن ذلك هو التصرف الطبيعي لمسجون لايتوقع الإفراج عنه ، لم يحس شعبنا بكينونته ، لم ينعم بخيرته ، ولم يأمن في داره . فهل نستطيع ان نقول أنه تذوق طعم الحرية اوعرف معناها ؟ إن غياب ثمرة الحرية المرجوة ليس مسئولية النظام وحده ، فالعالم الثالث يضج بالإنظمة التي حكمت بقهر القوة أو قوة القهر منذ إستقلال دولها وحتى الآن ، ولن يكون اسياس بدعاً حتى يتخلى عن صولجان السلطة هكذا نتيجة تأنيب ضمير أو إحساس بالعجز عن إدارة دفة المسئولية ، وليس هنالك قدوة له في عالمنا الثالث ، لذا فإن مطالبته بالتنحي هكذا هو نوع من الطوبابوية الغير حميدة ، ولكنه يحتاج لقوة ضغط حقيقية تجعله يتنازل عن كل السلطة او بعضها ، ومن خلال التجارب المماثلة ثبت ان هذه القوة يجب ان تستند الى عاملين مهمين ، هما الحراك الداخلي والدعم الدولي ، وهو مالم يتوفر للمعارضة حتى اللحظة ، صحيح انها حققت تقدم بطرح نفسها كبديل سياسي للنظام عبر تحالف يستند الى ميثاق فيه مبادئ دستورية تنظم التدوال السلمي للسلطة عبر الديمقراطية والتعددية الحزبية ، لكن هذا الميثاق وهذا التحالف لم يتعرض لإمتحان حقيقي فالقوى المؤطرة في داخل التحالف لايزال يجمعها عامل الرفض من قبل النظام فهى جميعها قوى غير معترف بها دولياً وكذلك داخلياً ، ولم يمتحن الميثاق مثلاً بان يبدى النظام إستعداده للحوار مع المعارضة او جزء منها ، وكذلك لم يبلغ تنظيم منها مرحلة من القوى ويجد الدعم من المجتمع الدولي حتى يتأكد للآخريين هل سيتمسك بهذا الميثاق ام لا ، فالميثاق لازال في دائرة المصائب تجمعنا المصابينا ، وخانة حسن النوايا ، أيضاً الوسائل التي تتبعها المعارضة بعد ان جنحت للصراع السياسي على حساب الصراع العسكري ، لازالت تقليدية جداً فشعبنا الإرتري لايملك في إرثه التاريخي ووسيلة للمقاومة سوى البندقية ، ولم يضيف الى قاموسه السياسيى المظاهرات والإضرابات والإعتصامات والمذكرات ، ولازال المجتمع المدني في طور التشكل وإن كانت بداياته تشير الى انه لن يجدد في وسائله للمطالبة بحقوقه والمثل الشهير في التقرى يقول ( سنيت من طبابحا ) ، فلم نسمع حتى الان أن الجالية الإرترية في دولة من الدول اعتصمت امام سفارة من سفارات الدول الداعمة للنظام ، ولم نسمع بأن الرابطة الفلانية أعلنت اضراباً عن الطعام تضامناً مع المعتقلين ، أو جمعت راتب كذا لصالح اللاجئين ، أو حتى مسيرة بالشموع من اجل الصحفيين ، فما اكثر الحقوق الضائعة المهدرة والقضايا العادلة لدى المعارضة ولكنها لم تحسن إستقلالها ، فلم تستفيد من النموذج اللبناني ولا الجورجي لا قرقستان فما اكثر العبر وما اقل الإعتبار ، لم تحرك قضايا حيوية مثل قضية المعتقليين السياسين والصحفيين رغم تقارير المنظمات الدولية ، ولم تستفيد من تقارير انعدام الحريات الدينية والتقارير الرسمية التي تشير الى ذلك ، ولا من قضية اللاجئين الذين لا عادوا الى بلادهم ولا استمر دعم المنظمات الدولية لهم وهم بين هذا وذاك ، لم تسلط الضوء على الهروب المستمر من جحيم إرتريا عبر السودان وإثيوبيا بسبب ممارسا النظام ، لم تستطيع ان تروج لتقارير منظمات حقوق الإنسان التي صنفت إرتريا ضمن اسوأ الدول في هذا المجال .إن الشعب الإرتري أنتظر كثيراً ليتذوق طعم الحرية أنتظرها من الثورة لكنه افطر على ( بصلة ) كما يقول المصريون وانتظرها من أسياس بالتحديد لأنه كان في طليعة الذين بحثو عنها بإسم هذا الشعب ومن الذين عانوا من فقدانها ولكن خاب ظنهم في ذلك ، وهاهو ينتظرها من المعارضة الإرترية ، عبر ثورة جديده ، ويقول خبراء علم النزاعات أن الثورة تحتاح الى ثلاث عوامل رئيسية هي القضية والغبن والقيادة ، ويمكن ان نقول ان القضية معروفة والغبن فاض وطفح ، ولم يتبقي الا قيادة تحسن توظيف تلك العوامل ، وحتى يتحقق ذلك ، نقول بالصوت العالي لشعبنا الإرتري في الداخل والخارج إحتفل بعيد الإستقلال فلم يتبقى لك من معنى الحرية الإ إقامة هذا الإحتفال بذكراها ، والرقص على دماء الذبيحة فذلك اقل ما تستحقه في هذا اليوم ولاتأسى بعد ذلك إن لم تنل من الذبيحة إلا جلدها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى