مقالات

نذر الحرب بين إرتريا وإثيوبياالى أين ؟!!

11-Apr-2005

عبد الرازق

إرتريا والرسالة الخاطئة :نذر الحرب بين إرتريا وإثيوبياالى أين ؟!!عبد الرازق كرار حال الحدود الإرترية السودانية في الأسبوعيين الماضيين ، حيث أفواج الشباب المتدفق من إرتريا ، وتعبيرات وجوههم كانت أبرز دليل على جدية التصريحات الأخيرة لكل من مبعوث حفظ السلام الأممي بين إرتريا وإثيوبيا التي عبر فيها عن بالغ قلقه حيال الوضع المتفجر بين الدولتين الجارتين .

تصريحات المبعوث الأممي عضدتها تصريحات لمسئولين إرتريين نافذين أبرزهم السيد الأمين محمد سعيد الأمين العام للجبهة الشعبية ( الحزب الحاكم ) أمام حشد من الجالية الإرترية في الدوحة حيث قال ( إذا لم يتحرك المجتمع الدولي لإلزام إثيوبيا بتنفيذ القرار ، فأننا لن نصبر طويلاً أمام هذا الوضع ولن نقف مكتوفي الأيدي ) في إشارة منه إلى الخيار العسكري .رئيس الوزراء الإثيوبي السيد / ملس زيناوي من جهته عندما سئل عن الحشود الإثيوبية قبالة الحدود الإرترية قال بأن تلك رسالة إلى إرتريا إذا فكرت في الحرب فنحن جاهزون ) .خمسة سنوات توشك أن تمضي على اتفاق وقف الأعمال العدائية بين حكومتى إرتريا إثيوبيا الموقع في الجزائر في 19/6/2000م ، الذي تبعه بعد ذلك اتفاقية الجزائر في 12/12/2000م ، وإذا كانت اتفاقية وقف العدائيات قد عملت على إيقاف الحرب ، فإن اتفاقية الجزائر تمخضت عنها لجنة تحكيم دولية لترسيم الحدود وهي المحكمة التي أصدرت قرارها في إبريل 2002م .الآن بعد مرور ثلاثة سنوات على قرار المحكمة الدولية ، ما الذي جدّ ليرفع وتيرة لغة الحرب إلى هذا المستوى .إن البحث عن تلك الأسباب يتطلب مراجعة ماتم تنفيذه من بنود الاتفاقية ، فضلاً عن المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية وتأثيراتها على كل من الدولتين .أكدت اتفاقية الجزائر على بروتوكول وقف الأعمال العدوانية بن الدولتين الموقع في يونيو 2000م ، كما نصت على تكوين لجنة تحكيم دولية لترسيم الحدود ومنطقة منزوعة السلاح ( منطقة الأمن المؤقت ) ( Temprory security zone ) على الجانب الإرتري وحددتها بمعدل المدفعية (25) كلم على طول الحدود الإرترية الإثيوبية ، كما قررت إعادة انتشار القوت الإثيوبية ، وإرسال قوات دولية تكون مسئولة عن المنطقة العازلة وتحقق في أي خروقات وترفع تقاريرها إلى الأمين العام للأمم المتحدة .تم وقف إطلاق النار ، وجاءت قوات دولية ، كما تم تكوين المحكمة الدولية التي حددت الحدود في الخرائط وفق الوثائق التي قدمت لها ، لكن إنزال ذلك القرار على ارض الواقع لم يمضي كما كان يرتجى .منذ صدور القرار في أبريل 2002م وعدم تنفيذه على الأرض بدأت القوات الدولية تواجه مشكلات جمة خاصة من الجانب الإرتري الذي منعها من استخدام الممرات والطرق المعبدة مما أضطرها إلى سلك طرق وعرة والأمر جد صعب لمن يعرف طبيعة إرتريا ، كما عمدت الحكومة الإرترية إثارة مشكلات مثل ممارسة الجنود الدوليون لأعمال غير أخلاقية مع الموطنين ، واستخدامهم العملة الإرترية كأوراق توليت وغيرها من الاتهامات ، وللحقيقة فإن إرتريا كانت ترى في تلك القوات عبئاً ليس له ما يبرره طالما لا تساعد في ترسيم الحدود بين الدولتين ويظل القرار معلقاً .تعامل الدولتين مع قرار الترسيم كان عاطفياً حيث رحبت الدولتين بالقرار بعد صدوره اعتبرته انتصاراً لها وتأكيداً لادعائها ، لكن لم يمضي وقت قصير حتى تبينت الدولتان أن القرار لم يحقق رغباتهما . الطرف الإثيوبي كان أول من صرح بذلك وقال إن القرار غير عادل ويحتاج إلى مراجعة ، كما صرحت أكثر من جهة إرترية ذات التصريح أن القرار غير عادل ويحتاج إلى حوار وإن كانت منطلقات الأطراف مختلفة ولكن الطرفيين اتفقا على عدم عدالة القرار وهكذا ظلّ القرار معلقاً حتى اللحظة .من عيوب اتفاقية الجزائر أنها لم تضع آلية لتنفيذ القرار على الأرض أو تنص على ما يمكن أن يترتب على الطرف الذي لا يلتزم بتنفيذ القرار ، بل بنت على الموقف العرفي المتمثل في الضغط الدولي على الذي يرفض القرار أولا يلتزم به .التقديرات الإثيوبية لأوضاعها الداخلية لم تجعلها تبالي بما يمكن أن يترتب على رفضها لتنفيذ القرار دولياً ، فالحكومة الإثيوبية كانت تواجه باعتراضات قوية من المعارضة على استقلال إرتريا ، وكان تنفيذ القرار يعني إرباكاً للجبهة الحاكمة التي رأت بعد مكوناتها أن القرار غير منصف وغير عادل لإثيوبيا .عالمياً تحظى إثيوبيا بتعاطف دولي لأسباب حضارية وتاريخية ، وماكان العالم إزاء هذا التعاطف بقادر على فرض عقوبات جدية على هذه الدولة ، النظام الإرتري عبر سياساته غير المتوازنة والمتقلبة أحيانا لدرجة الرعونة كان عاملاً مساعداً لدول القرار لغض الطرف عن الرفض الإثيوبي .بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك قائلين أن ترحيب المجتمع الدولي بالاتفاقية الجزائر لم يأتي لأنها أوجدت حلولاً موضوعية دائمة للمشكلة ولكن لأنها تنهي حرباً أصبحت عبئاً أخلاقياً على الدول العظمي وكذلك عبئاً مادياً ثقيلاً نظير مواجهة تداعياتها الإنسانية ، وبالتالي إيقاف الحرب كان هو محط أنظار هذه الدول وليس تنفيذ بقية بنود الاتفاقية ومتابعة تفاصيلها ، خاصة وأن الدول الكبرى كانت مشغولة بالحرب على الإرهاب والحرب على العراق والصراع في الشرق الأوسط ، لذا يمكن أن نقول أن المجتمع الدولي بعد توقف الحرب كان على استعداد لنسيان أمر إرتريا وأثيوبيا لولا التقرير النصف سنوى الذي يرفعه الأمين العام للأمم المتحدة لمجلس الأمن عن الوضع بين الدولتين ويوصي فيه بتجديد مدة القوات الدولية بين الدولتين مما يعنى استمرار الإنفاق على هذه القوات .في نهاية 2003م وبداية عام 2004م بدأ المجتمع الدولي يتذمر من استمرار الوضع بين الدولتين ووجود القوات الدولية وهو ماحدا بالأمين العام للأمم المتحدة بمناشدة إثيوبيا لتنفيذ القرار ، وقد نقل مبعوث الأمين العام القلق الدولي إلى القيادة الإثيوبية بينما رفضت إرتريا استقبال المبعوث الدولي .القيادة الإثيوبية بما تتمتع به من إرث دبلوماسي وسياسيي وإداري متراكم عبر تاريخ الدولة رأت أن الوضع لايمكن أن يستمر على ذلك الحال وأدركت أبعاد الرسالة جيداً ، لذا جاءت خطوتها غير المتوقعة حيث طرح رئيس الوزراء الإثيوبي مشروع السلام بين الدولتين على البرلمان الإثيوبي في 25/نوفمبر 2004م وهو مشروع يتكون من خمسة نقاط أساسية هي :-1/ التأكيد على ضرورة الحل السلمي لسوء التفاهم بين الدولتين وما يمكن أن ينشأ بينهما مستقبلاً من خلافات .2/ تطبيع علاقات حسن الجوار بين البلدين عبر إزالة سوء التفاهم بين الحكومتين بالحوار والتفاهم .3/ تقبل الحكومة الإثيوبية مبدئياً حكم مفوضية ترسيم الحدود وتبدي في ذات الوقت استعدادها للأخذ والرد بالحوار .4/ التزام إثيوبيا بدفع متأخرات مستحقات بعثة الأمم المتحدة وتحديد ضباط الاتصال معها .5/ الإسراع بإجراء حوار بين البلدين من اجل إنفاذ قرار مفوضية ترسيم الحدود وتحقيق السلام الدائم .صادق البرلمان الإثيوبي على المشروع ، وهكذا استطاعت الحكومة الإثيوبية قلب الطاولة وانتقلت من خانة الدفاع إلى خانة الهجوم ، خاصة وان المشروع وجد ترحيباً من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والعديد من الدول ، وقال المبعوث الدولي في القرن الأفريقي لويد أكسورثي ( أن الكرة الآن في ملعب الرئيس الإرتري ) ، وبهذا المشروع الذي يعتبر رسالة إلى المجتمع الدولي اكثر من مشروع سلام كانت تدرك القيادة الإثيوبية سلفاً أن إرتريا سترفضه ، استطاعت إثيوبيا أن تكسب هذه الجولة .هذه الخطوة حاصرت إرتريا وأحرجتها أمام المجتمع الدولي ، رغم أنها صاحبة الحق ، لكن الدبلوماسية الإرترية لم تكن في يوم من الأيام دبلوماسية دولة بالمعنى المتعارف علية للدول التي تعمل وفق مؤسسات ، ولعل خير شاهد على ذلك المقال المنشور للأستاذ محمد نور أحمد السفير الإرتري السابق في الصين في مجلة دراسات القرن الأفريقي العدد الثاني أكتوبر 2004م عن السياسية الخارجية لدولة إرتريا وكيف تتخذ ؟ وكيف ترتب أولوياتها ؟ .أمام هذا العجز الدبلوماسي والسياسي كان لابد لإرتريا أن تلجأ إلى لغة تعرفها جيداً هي لغة الحرب لذا بدأت تصعد خطابها التعبوي وصاحب ذلك تحرك عسكري مكشوف حيث تم نقل الجيش الإرتري المتواجد على الحدود الإرترية السودانية إلى الحدود الإثيوبية ، والتصريحات المتواترة من القيادة الإرترية التي تطالب المجتمع الدولي إلى التحرك للإلزام إثيوبيا بتنفيذ قرار المحكمة والإ فإن إرتريا لن تقف مكتوفة الأيدي وستدخل الحرب .إذا فإن هذه التصعيد هو رسالة إرتريا إلى المجتمع الدولي ، ولكن من الذي يضمن أن المجتمع الدولي سيفهم هذه الرسالة وستجاوب معها ، ثم مالذي سيخسره المجتمع الدولي إذا قامت هذه الحرب .من المؤكد أن إرتريا لم تتخذ قرار الحرب حتى هذه اللحظة ولكن وفق القراءات المتاحة أنها سوف تصعد خطابها التعبوي إلى أقصى حد وهي تسعى إلى تحقيق هدفين من ذلك هما :-1/ لفت أنظار المجتمع الدولي إلى هذه القضية .2/ التأييد الجماهيري خاصة في الداخل ، لأن الشعب الإرتري تسهل تعبئته ضد إثيوبيا .النتائج الأولية حتى هذه اللحظة لا تسير باتجاه تحقيق الأهداف الإرترية المرجوة فالمجتمع الدولي لازال يعتبر المشروع الإثيوبي أرضية مناسبة لسلام دائم في المنطقة وهو يراقب بغلق اللغة الإرترية المتصلبة ، وهو لن يبحث كثيراً في مشروعية الحرب بل بالآثار الإنسانية المترتبة على ذلك مما يعني تكلفة مادية عالية .أما بالنسبة للتأييد الجماهيري فيبدو أن النظام بلغ مرحلة لن تفيده معها مغامراته ، حيث بدأ الهروب المنظم للشباب الإرتري عبر الحدود السودانية يرتفع بارتفاع وتيرة الحرب ، ولم تعد الحيلة بتخوف الإرتريين على سيادة لإرتريا تنطلي على الجماهير .رغم أن القيادة الإرترية كما ذكرت لم تتخذ قرار الحرب بعد إلا أن ذلك لايعني بأي حال من الأحوال أنها لن تتخذه فالنظام الإرتري يعيش حالة يأس يمكن أن تدفعه إلى هذه المغامرة ، كذلك فإن التصعيد المستمر قد يكون مدخلاً للحرب حتى وإن لم ترد القيادة الإرترية ذلك فما اسهل اختلاق حادثة قد تشعل المنطقة المهيأة أصلاً لذلك خاصة وان الحرب أولها كلام كما تقول الأشعار العربية ، وأنه يصعب إيقاف الصخرة عندما تبدأ انحدارها من قمة الجبل كما تقول الحكم الشعبية الإرترية ، فهل تستطيع القيادة الإرترية التحكم بمجريات التصعيد ثم التوقف عند نقطة الصفر، أم أن الأمر سيتجاوز نقطة اللاعودة ؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى