مقالات

ما المنفى وما هو الوطن؟.. ثلاثة بورتريهات لنجمات إريتريات بقلم / أحمد شيكاي

9-Mar-2021

عدوليس نقلا عن https://ultrasudan.ultrasawt.com/

مناسبة اليوم العالمي للمرأة، نحتفي هنا بسيّدات إريتريات لهن مكانة خاصة وسط شعوبهن، وذلك من خلال رصد أهم نشاطاتهن، مع تضمين شهادات إبداعيّة عنهن من قبل شعراء وكتّاب تابعوا مسيرتهن الإبداعية.وعبر هذه البورتريهات الثلاثة؛ أردنا الإشارة إلى مكانة ودور المرأة الإريترية وتأثيرها في المجال العام.

شريفة العلوي :
في يوم 22 نيسان/أبريل من العام 2013، قطع الموت مسيرة إبداعية لواحدة من أعظم الشاعرات الإريتريات في العهد الحديث، شاعرة تسنمت من مرة واحدة العقل والقلب الإريتري وحجزت مكانًا موفورًا ما زال شاغرًا إلى اليوم. والشعب الإريتري الذي شهد في السنوات الأخيرة رحيل المبدعين واحدًا تلو الآخر؛ لم يهزه رحيل كرحيل الشاعرة شريفة العلوي الذي جاء مباغتًا وقويًّا وصادمًا. وعبرت غيوم الأحزان لتهطل على جمهورية جيبوتي، وكل عشاق شعرها في أكثر من مكان في العالم.ولدت الشاعرة شريفة العلوي في العام 1970، في إحدى قرى منطقة بدة في إقليم دنكاليا شرقي إريتريا. وتلقت مراحل تعليمها الابتدائية والمتوسطة في جمهورية جيبوتي، ومن ثم هاجرت إلى المملكة العربية السعودية واستقرت فيها حتى فمتازت الشاعرة شريفة العلوي بالتوازن في الانتماء ما بين هوياتها البسيطة والوطنية؛ إذ كانت تنتمي لجيبوتي كوطن بنفس درجة انتماءها لإريتريا وقومها العفر، وفوق كل هذا الانتماء المباشر للإنسان. والعفر هي قومية ذات لغة وثقافة واحدة تتوزع في ثلاث دول: إريتريا، جيبوتي وإثيوبيا.
يقتبس الشاعر أحمد دحنة مقولة الناقد كرستوفر فراي، والتي مفادها أن “الشعر هو اللغة التي يستكشف الإنسان بها دهشته، وتصديقًا لكلمات فراي؛ فإن شعر الراحلة الخالدة شريفة العلوي كان الصورة الشعرية المكتملة التي اكتشف فيها الأدب المهجري الإريتري المكتوب بالعربية دهشته.
كان شعرها ديوان الحنين لجيل كامل انتمى إلى إريتريا الوطن من المنفى. شعلة انطفأت في أوج توهجها. فقدت الساحة برحيلها صوتًا كسر جمود مجتمع أدبي شكلت نون النسوة أقلية مضطهدة فيه، تجاهلًا تارة وجهلًا أخرى.
وشقت بنت العلوي لنفسها وسمًا أخرجها من رسم الناظمات إلى رحاب الشواعر، والفرق جد كبير بين الناظم والشاعر. رحمها الله وجزاها خير نواله بما رفدت به فسيفساء الشعر الإريتري من جميل الكلم وعطر المعان”.
صدر للشاعرة ديوان “زخرف البلح” 2010 عن دار طيوف. ثم ديوان “إلا أنا” عن دار طيوف أيضًا في العام 2011، وكتاب نثري ومقالات قصصية بعنوان “امرأة لا تقف في الطابور”.
الكاتب والروائي الإريتري حجي جابر قال عنها “المرأة التي ردّت اعتبارها بالشعر”! ولعلّ أكثر ما يشبه حياة الشاعرة الإريترية شريفة العلوي هو موتها. ذلك الموت القريب جدًا من الوطن والبعيد عنه في الآن نفسه. تلك المراوحة في دوائر الشوق والترقب والانتظار لوطن مشتهى وسمتْ حياة العلوي دون أن تُكلّلَ بنهاية معزّية، حتى آن الرحيل في منتصف العام ألفين وثلاثة عشر، والأحلام على حالها، عصية رغم قربها، وطازجة رغم كل تلك الأعوام التي أسنتْ انتظارًا.
طوال حياتها كانت شريفة العلوي تتنقل من بلد إلى آخر وهي تطوف بمحاذاة مقصدها، إريتريا، تتلّمسه، تستجديه، دون أن تصل إليه؛ فاستعاضتْ عن ذلك بشعرها المعبأ بالحنين والغضب والانكسار والأمل والخيبات.
لكنّ الشعر نفسه لم يكن استثناءً من الحياة المبتورة لصاحبته، فجاء الديوان الثالث “امرأة لا تقف في الطابور”، متأخرًا قليلًا عن موعده، ليجد شريفة العلوي، قد غادرت دون أن تصافحه.
“همومي ليس يسترها إزاري
يقينا لست أعبأ بالخوار
أمنّي القلب بالآمال ليلًا
صريعًا أستفيق على النهار
خيالي مثل نسرٍ في فضاءٍ
تعلق بالفراغ بلا قرارِ
وحلمي مثل نارٍ شبّ فيها
لهيب الريح دون هدى المسار
ألا يا موج ذاك البحر إني
أشق عباب أطراف الحوار
فأمهلني لعل الوقت أدّى
فروضًا قبل تدوير السوار”
في غضون ثلاثة أعوام فقط راكمتْ شريفة العلوي إبداعها وكأنها قد اعتادتْ حياتها المخاتلة التي لا يمكن الركون إليها. أصدرتْ ديوانها الأول “زخرف البلح”، وأعقبته في العام الموالي بديوان “إلا أنا”. ولعلّها هنا شعرت بشيء من الاسترخاء، وهي التي كتبتْ قصيدة بعنوان “الموت تأخر هذا اليوم”، ما حفز الحياة لممارسة لعبتها الأثيرة فحرمتها من رؤية الديوان الثالث.
“وغادرت مدائن مملكتي
لكن الموت تأخرهذا اليوم
جف الدمع..
وسال الجرح..
ثم تساءلت القطنة
وهل للموت دماء؟
يا وجعي المشتاق لأوجاعي
لا أحد يبلغ حد الموت..
بعد الموت”
هذه الأعوام الثلاثة كانت كافية جدًا لتضع فيها العلوي اسمها في مكانة بارزة ليس في إريتريا فحسب؛ بل وفي محيطها العربي والأفريقي أيضا. بالشعر وحده، ظهرتْ شريفة، وبه تقدّمتْ وحفرتْ اسمًا يصعب نسيانه. ولئن جاء الخذلان من الأوطان؛ فإن الشعر ردّ لها الاعتبار ولا يزال منذ اللحظة الأولى التي عانقته فيها.
ظهايتو براخي:
ظهايتو براخي، موسيقية وفنانة ومناضلة من إريتريا. وُلِدت في العام 1939، في قرية صغيرة تسمى “عايتيت” في جنوب إريتريا، وتوفيت في 25 أيار/مايو 2018 بهولندا. أسرتها حملتها إلى العاصمة أسمرا وهي رضيعة. انضمت إلى جبهة التحرير الإريترية في آذار/مارس 1977، ومن ثم لجأت إلى السودان ومنه إلى روتردام في هولندا في العام 1988، قبل أن تعود إلى إريتريا مجددا بعد التحرير في العام 1999.
في ظل وعي مجتمعي يقلل من قيمة المغنين من الرجال ويرفضه تمامًا عند النساء، وبوصفها أول امرأة تعزف على آلة “الكرار” وهي آلة وترية إريترية محلية -تكون ظهايتو أدخلت فعليًا مساواة المرأة بالرجل في مجالها، وعبَّدت الطريق أمام مئات المغنيات من الإريتريات، ونتلمس فيها هذا الوعي بعمق عندما نعرف بأنها بدأت تتعلم العزف في سن الثامنة من عمرها، لتصير عازفة كرار محترفة.
بدأت براخي مشروعها الغنائي من خلال العزف في الأفراح والحانات الشعبية، والتي تحولت مراكز لاجتماعات الثوار فيما بعد، وكانت تقوم بدور الوسيط بين الثوار الفدائيين والشعب، قبل أن تلتحق بالثورة في ميادين القتال.
عُرفت ظهايتو كواحدة من الإريتريات والإريتريين الذين شكلوا وجدان الشعب في فترتي الثورة والدولة. إذ تميزت أغنياتها بالحس الوطني العالي وتحطيم كل الفروقات في مجتمع متعدد الثقافات والأديان والأعراق. اشتهرت بأغنيتها (أبّشاول زبان تشرحي .. توليعا ورحي)، وهي أغنية تعبّر فيها عن احتفائها بإنشاء مسجد جديد في حي أبشاول، حيث وصفت الهلال في أعلى مئذنته بالضوء الساطع الذي أنار المكان، وهي المسيحية التي أحبت المسجد كحبها للكنيسة. كما غنت بلغة “التيغري”، بجانب لغتها الأم “التيغرينية”، لتصل كلماتها لمعظم الشعب الإريتري.
كتب عنها الصحافي و القاص ومحرر موقع عدوليس الإخباري الأستاذ جمال همد قائًلا: “ظهايتو براخي المغنية الشعبية أوجدت نفسها ونحتت مكانها وسط الكبار أمثال برخت منغستآب وعثمان عبدالرحيم وجابر محمود والأمين عبداللطيف وغيرهم، بل ورافقتهم في الحفلات العامة”.
تنتمي ظهايتو إلى جيل نهاية الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، وظهرت على المسارح الغنائية وهي مكتملة التجربة بزيها وآلتها الشعبية “الكرار”. ترنمت بكلمات عادية بسيطة سلسة ولكنها نافذة؛ وبصوتها الأقرب إلى أصوات الأمهات همسًا تهدهد مشاعرًا وطنية ترنو لصبح جديد، وبإيقاع يتهادى ويندو، يعلو ويهبط، كما هو حال جغرافيا الوطن الذي عشقته.
صدحت لأول مرة للجمهور في إذاعة أسمرة زمن الاحتلال الإثيوبي مع رفيقتها الراحلة “تيري تسفهوني”، وتميزت عنها بتنوع أغنياتها باللغتين التيغري والتيغرنية.
التحقت ظهايتو بجبهة التحرير الإريترية وأنشدت باللغتين أيضًا وسط نجوم الغناء الإريتري أمثال الفنان برخت، ورمضان محمد حاج وحسين محمد علي وأبرار عثمان وغيرهم كثير.ظهايتو براخي في عزلتها المجيدة تمثل أيقونة للغناء الشعبي المرتبط بالناس، ويمكن أن نذكر هنا الفنان الكبير الذي رحل قبل سنوات؛ الفنان عبي عبدالله، كنموذج آخر من الفن الشعبي الذي يداعب وجدان الملايين دون ضجيج.
شيء أخير يمكن أن نضيفه هنا في هذه العجالة، وهو أن ظروف الشتات والحروب وتقلّب الأحوال في المنطقة وتغول الآراء المتشددة أضرت مباشرة بالغناء الشعبي، ليس في إريتريا فحسب بل وفي كل المنطقة.
دهب فايتنقا:
“بما أن الحروب والصراعات وغيرها من الاضطرابات لم تحدث أي تغيير إيجابي في أفريقيا، فإنني اخترتُ أن أقدم للناس موسيقى الأمل، أنا أغني للسلام والمحبة والوحدة”. هكذا تُعرّف نفسها المغنية والموسيقية الإريترية دهب فايد تنقا، المشهورة بدهب فايتنقا.
بدأت حياتها كمناضلة ومقاتلة من أجل حرية بلادها، وبرزت كفنانة وموسيقية من داخل ميادين القتال في سبعينات الفرن الماضي في صفوف الثورة الإريترية ضد المحتل الإثيوبي.
دهب فايتنقا من مواليد العام 1964 في العاصمة الإريترية أسمرة، انضمت إلى الثورة في سن الرابعة عشر وتلقت تعليمها في مدارس الثورة في المناطق المحررة، حيث كانت بعض المدارس في خنادق تحت الأرض. بدأت الغناء في جبهات القتال، وسرعان ما تم استيعابها في الفرقة الفنية للثورة لجمال صوتها وحضورها المسرحي المميز.
يقول عنها الملحن عبدالله خيار: “عشقت دهب الفن منذ صغرها، ولكن موهبتها الفنية الحقيقية تفجرت حينما التحقت بالثورة والنضال ضد المستعمِر؛ فتم ضمها إلى الفرقة الفنية لجمال صوتها. غنت للوطن وللحرية، واستطاعت أن تصقل موهبتها الفنية عبر الممارسة والتجربة. ولأن دهب متفردة في كل شيء حتى في قدومها إلى هذه الحياة، فهي تنتمي من جهة الأب إلى قومية الكوناما، ومن جهة الأم إلى قومية التيغرينية، ووُلِدت في العاصمة أسمرة في حي “ماي تمناي” العريق بعيدًا عن مسقط رأس أبيها، ولكن الحنين كان يشدها إلى أرض القاش حيث أهلها الكوناما.
استطاعت دهب أن تتحدث لغة الكوناما أثناء تواجدها مع الثوار في منطقة القاش، وبدأت تغني بعض الأغنيات بلغة الكوناما، وقدمت ذلك التراث الجميل الغني في قالب معاصر من خلال تجربة جريئة لم يسبقها أحد إليها، وتخصصت في هذا المجال. ومما ساعدها في ذلك أن تراث قومية الكوناما بطبيعته تراث متميز وغني بالإيقاعات المتعددة والرقصات المتنوعة التي تفوق الخمسين رقصة. ويمثل الرقص عند قومية الكوناما سمة أساسية في حياتهم اليومية وله ألوان عديدة، فهناك رقصات تصاحب الزراعة، وأخرى للحصاد، وغيرها للأحزان، والأفراح والمواسم.
الكوناما مجموعة ثقافية وعرقية وتتميز بتنوعها الديني: الإسلام والمسيحية وديانات محلية، وحفاظها على بُعدها الأفريقي، ويعيشون في كل من إريتريا وإثيوبيا. نهلت دهب من هذا التراث الغني، وبإحساس الفنان تعاملت مع هذا التراث بأدوات العصر، واستطاعت أن تحقق الكثير من النجاحات في هذا المجال.
وبعد استقلال إريتريا، ومواصلةً لمشروعها الغنائي الذي يهتم بالإنسان الإريتري وحقه في الحرية والسلام؛ كانت فايتنقا من أوائل الفنانات والفنانين الذين غنوا لصالح مرضى نقص المناعة المكتسب “الأيدز”، وضد تمييزهم عن باقي المواطنين، ولها إسهامات عديدة في هذا المجال على المستويين الوطني والعالمي، وقد قامت في كانون الأول/ديسمبر 2013 بمشاركة أداء في جنيف في مقر برنامج الأمم المتحدة المعني بفيروس نقص المناعة، وذلك بمناسبة افتتاح المعرض الناميبي للعنف المبني على مكنت دهب من العبور بالموسيقى المحلية إلى رحاب العالمية من خلال المزج والتطوير والتحديث الذي أجرته على أعمالها، وساهم صوتها المميز في ذلك. وفي هذا الجانب يقول الملحن عبدالله خيار: “استطاعت دهب أن تنقل الأغنية الإريترية من المحلية إلى المحافل الدولية؛ فكانت أول فنانة إريترية تشارك في المهرجانات العالمية للموسيقى، وقدمت أولى عروضها في أواسط التسعينات في العاصمة الفرنسية باريس، وصاحبها في الأداء فرقة تعزف على الآلات الشعبية فقط. هذا بالإضافة إلى حضورها الفني القوي على المسرح من خلال ما تقدمه من رقصات شعبية نالت استحسان الحضور من خلال ما قدمته من عروض. واهتمت دهب أثناء تقديم عروضها بالأزياء الشعبية، وساعدتها في ذلك صديقتها في مرحلة النضال الفنانة فاطمة سليمان.
وبعد نجاح تجربة فرنسا، انتقلت دهب بتجربتها إلى إسبانيا واليابان وبلجيكا، وبدأت تنتشر تدريجيًا إلى أن أصبح لها حضور فني قوي في كل الدول الناطقة بالفرنسي ، سيما غرب أفريقيا التي تنتشر فيها اسطواناتها على نطاق واسع”.
ولعبت خلفيتها العرقية دورًا كبيرًا في تميزهل،؛ فدهب تنحدر من مجتمع تُعدّ المرأة فيه ندًا للرجل ومتساوية معه في الحقوق، بخلاف مجتمعات إريترية أخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*”ما المنفى وما هو الوطن؟” عنوان كتاب للمفكر السوداني الخاتم عدلان.
لوحة للفنان الإريتري ميكائيل أدوناي (Michael Adonai/Facebook)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى