مقالات

ما بعد النقد من مقاعد المتفرجين: دعوة إلى النخبة الفكرية الإريترية.

بقلم/ يوهنس اسملاش

حين أذهب إلى الطبيب، لا أذهب إليه لمجرد أن يخبرني بأنني مريض؛ بل أتوقع منه أن يشخّص حالتي وأن يصف لي العلاج المناسب. غير أن واقع المعارضة السياسية الإريترية يكشف أن جانبًا من نخبنا الفكرية قد ارتضى لنفسه، في كثير من الأحيان، دور الطبيب الذي يكرر تشخيص المرض، من دون أن يقدم وصفة للعلاج أو يسهم في البحث عنها.

لا جدال في أن المعارضة أخفقت في الارتقاء إلى مستوى تطلعات الشعب. فمرور أكثر من ثلاثة عقود من دون أن يلوح في الأفق مخرج واضح أمر يبعث على الإحباط العميق. لكن الإشارة إلى هذا الواقع ليست اكتشافًا جديدًا. فالتنظيمات السياسية نفسها تدرك مواطن قصورها، وربما تعرفها، بحكم التجربة المباشرة، أكثر ممن يراقبونها من الخارج. وما تحتاج إليه اليوم ليس مزيدًا من الإدانة بقدر ما تحتاج إلى انخراط بنّاء يسهم في معالجة أوجه القصور وتجاوزها.

يختار كثير من مثقفينا الوقوف على مسافة آمنة، ربما خشية أن ترتبط سمعتهم بتنظيمات لم تنجح في كسب قلوب وعقول قطاعات واسعة من الإريتريين في المهجر. غير أن هذه النظرة المتشككة من بعيد تتجاهل حقيقة بالغة الأهمية: فعلى الرغم من العقبات الهائلة، حافظت هذه التنظيمات، بما أبدته من صمود ومثابرة، على جذوة الأمل مشتعلة. ولا تزال مجموعة محدودة بصورة لافتة تتحمل أعباء نضال سيعود نجاحه بالنفع على الجميع، بمن فيهم أولئك الذين لا يكفون عن انتقادها والتقليل من شأنها.

إن النقد الموضوعي، حين يقترن ببدائل عملية ورؤية استراتيجية، يمثل قيمة لا غنى عنها. أما النظر من علٍ إلى أولئك الموجودين في ميدان العمل، فلا يمنح الناقد تفوقًا أخلاقيًا أو سياسيًا. فالتحدي الذي تواجهه هذه التنظيمات ليس في إدراكها أنها عالقة في مأزق، وإنما في معرفة الطريق الذي يمكن أن يخرجها منه. وهناك بالفعل جهود للإصلاح وتوحيد الصفوف، من بينها المبادرات الجارية لبناء مظلة سياسية جامعة، غير أن نجاح هذه المساعي يتطلب إسهامًا فكريًا جادًا، ورؤية سياسية عميقة، وعملًا يتجاوز حدود التشخيص.

إذا كان لدى المثقف من المعرفة والقدرة النقدية ما يمكّنه من رؤية مواطن الخلل بوضوح، فلماذا لا يخصص جزءًا من وقته وخبرته للمساهمة في إصلاحها؟

لقد أثبتت التجربة مرارًا أن الانشقاق وتأسيس المزيد من الكيانات والتنظيمات الجديدة لا يؤديان بالضرورة إلى نتائج أفضل؛ بل إن العائد من هذا المسار يتضاءل مع مرور الوقت، حتى كأننا أصبحنا نعاني نقصًا في الأسماء الجديدة أكثر مما نعاني نقصًا في المؤسسات المتشابهة. وبدل البدء من نقطة الصفر في كل مرة، فإن المسار الأكثر مسؤولية هو توظيف الخبرات في تطوير ما هو قائم، والبناء على الأسس الموجودة، والعمل على تحويل نضالنا المشترك إلى قوة سياسية أكثر فاعلية وقدرة على إحداث التغيير.

النقد بلا فعل مجرد ضجيج… والتاريخ أثبت ذلك بالفعل

على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، شهدنا نمطًا يتكرر باستمرار: منتقدون من مقاعد المتفرجين لا يقدمون الكثير للعمل العام، لكنهم يكثرون من النقد، إما لإظهار التفوق على الآخرين أو لهدم الجهود القائمة وتهيئة الطريق لبدائلهم الخاصة. ومع ذلك، عندما تتاح الفرصة لهذه البدائل كي تثبت نفسها، كثيرًا ما يتبين أنها ليست أفضل مما سبقها، بل قد تكون في بعض الأحيان أكثر قصورًا.

نحن بارعون، إلى حد يفوق الوصف، في اكتشاف أخطاء الآخرين والإشارة إليها، بينما نظل متفرجين سلبيين في اللحظات التي تستدعي منا التقدم إلى الصفوف الأمامية وتحمل المسؤولية.

وإذا كنا نريد بالفعل تحقيق تقدم حقيقي، فلا يمكننا الاستمرار في إعادة إنتاج هذه الحلقة التي أثبتت فشلها:

النقد من دون مساهمة يضعف المصداقية: إذا بنيت حضورك وسمعتك على هدم الآخرين بينما تقف خارج ميدان العمل، فلا تتوقع بالضرورة أن تجد التأييد عندما يحين دورك لتولي المسؤولية.

التعاون بدلًا من النزعة التشاؤمية: الالتزام الحقيقي بقضية نبيلة يتطلب أن نبذل لها من مشاعرنا وطاقاتنا وإمكاناتنا ومواردنا، لا أن نكتفي بالتعليق عليها من بعيد.

التركيز على الأثر البنّاء: لا يكفي أن نعدد مواطن الخلل. ينبغي أن يقترن كل نقد، قدر الإمكان، بحل عملي، أو يد تمتد للمساعدة، أو استعداد حقيقي للمشاركة في تحمل المسؤولية.

البناء بدلًا من الهدم: القيمة الحقيقية لا تتحقق بمجرد الإشارة إلى مواضع إخفاق الآخرين، وإنما تتجسد حين يدخل المرء ميدان العمل ويسهم في بناء ما ينبغي أن يأتي بعد ذلك.

ينبغي للنقد البنّاء أن يكون قوة دافعة نحو التقدم، لا عاملًا لإنتاج المزيد من الجمود. وفي المرة القادمة التي نشعر فيها بالحاجة إلى توجيه النقد، لنسأل أنفسنا بصدق: هل نسعى من خلال نقدنا إلى إثبات ذواتنا، أم أننا نحاول بالفعل مساعدة الآخرين والإسهام في تحسين العمل؟

أما أنا، فأقف على أرض صلبة بما يكفي لأن أصغي، ومنفتح بما يكفي لأن أتعلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى