مقالات

التاريخ ووقائعه.. ساحة جديدة للصراع شخصية الزعيم وأجندته المهلكة (1) بقلم: أحمد القيسي

20-Jun-2016

عدوليس ـبالتعاون مع إذاعة المنتدى

الحديث عن الزعيم بموضوعية لا يمكن تناوله بمعزل عن السياق التطوري للثورة، وليس كما جرت العادة بسوق الاتهامات . او وضع الهالات المزيفة منذ اللحظة التى خرج من بيته متجها صوب الالتحاق بالثورة. فهو شأنه شأن الاخرين خرج يحمل هموم وطنه وشعبه , مقتنعا بان لديه دور يجب ان يقوم به , وهذه حالة انسانية طبيعية , حملها الكل . بعضها اضافت قيمة لما كان، والاخرى كانت هدما لما كان . ضمن هذا السياق الجدلي بين صيرورة الثورة وحركتها والدور للشخص والمجموعة يجب تناول البحث والتتقيم والدور الذي لعبته هذه الشخصية ومازالت تلعبه.

من جملة الاستثناءت في هذه الشخصية وقد تكون استهلالا للحديث عنها، وتعبيرا صارخا انها لا تحفظ عهدا , ولا تلتزم بوعد مهما بلغ قدسيته. ففي بداية الالتحاق بالثورة واعتقد ان الواقعة كانت في كسلا الستينات .اتفقت مجموعة من الاصدقاء وكان اسياس احدهم وصاحب الفكرة على عهد وميثاق ان يعملوا حتى الاستشهاد من اجل تصحيح مسار الثورة وتحرير ارترياء , ولتأكيد هذا الوعد والقسم مهروا كيا بالنار حرف E على ساعد كل واحدا منهم.وقد شاهدته شخصيا على ساعد اسياس وهيلي درع , كما ان الاخير حكى لى القصة عام ستة وسبعين . حين كنا نعمل معا في مدرسة الكادر .المحزن في هذه القصة ان السيد اسياس قام بتصفية المجموعة التى وشمت حرف E على سواعدها ليس من اجل ارتريا ، ولكن لا ازاحتها عن الطريق في الصعود اللامتناهي حتى اللحظة.كانت المرة الاولى التى التقيت بهذه الشخصية عام 1970 في منطقة قدم الساحلية ضواحي مدينة مصوع وكانت المرة الاولى التى تعرفت فيها علي الرموز الكبيرة حينها : الاخ محمد علي عمرو ومسفون حقوس , واسياس افورقي . والواقع كان هناك تناقض كبير بين الصورة التى رسمتها عنهم في خيالي قبل اللقاء , وبين حقيقتهم في الواقع . وذلك أمر طبيعي انسانيا . فقد تشكلت الصورة من وحي الحكايات الواقعي منها والمبالغ، ولكن في الواقع هناك بشر احياء من لحم ودم وسلوك وتصرفات وافكار وحديث ورؤية تمحي كل الصورة التى بنيتها في الخيال .فقد ظهر لي السيد الرئس شديد النعومة قياسا للصورة المرسومة في ذهني .عن شخص يقف علي رأس طائفة معلنا انسلاخه عن جبهة التحرير الارترية متحديا الكل بضرورة معالجة وضع الطائفة المسيحية في الثورة .شخصا من هذا الصنف لا بد وان يكون فيه كل شئ جلفا وخشنا وصاحب قسمات قاسية في تعبيراتها .لكن ما وجدته العكس صحيح لم يكن يوحي باللطف ولكن بانطوائية ملفتة , كما ان ردائه العسكري كان مختلفا بصورة جذرية عن المحيط بشكل ملفت . فقد كان الوحيد الذى يرتدي الجينيز في ذاك المناخ الحار كما ان تسليحه كان ينم عن اناقة ملفتة فاإلى جانب المسدس كانت هناك مجموعة من الخزن التى تحوي علي الرصاصات .اضف الى زمزمية انيقة , كل ذلك ينم عن شخصية تحمل قدرا كبيرا من الاهتمام الخارجي واسقاطها على من حوله بغية التأثير من ناحية , والتفرد من ناحية.ثانية . كان هذا اللقاء والانطباع الاول .وللامانة اخذ الموضوع على انه تفرد ينم عن شخصية قوية تستحق الاحترام والتقدير .لم يستمر الود طويلا فيما عرف بعلاقة الجانب الاول والثاني ,فبدأت المشاكل في البروز الى السطح قطبها الاول قيادة الجانب الاول بقيادة محمد علي عمرو وقطبها الاخر السيد الرئيس اسياس لاغير فلم يكن يعرف عن الجانب الثاني إلا القليل وشخصيا لم اعرف شئ عن قيادتهم سوى الشهيد تولدي ايوب ، الذي تم تصفيته ابان حركة المنكع .وتعود المعرفة بيننا لعهود سابقة ابان الدراسة في كامبوني كولج هذه العلاقة الملتبسة بين الجانبين وحصر مسالة الاتصال بالسيد اسياس فقط . والذي حصر الموضوع فقط في التسليج والدعم , كل ذلك ادى الى تأزم العلاقة بين الجانبين واصبح كل طرف يعيد ترتيب وضعه وما ظهر في جانب شخصية اسياس في منطقة قدم من لطف وتفاهم انقلب الى هجوم ورفض علي مدى شهور عدة , واخيرا عقد اجتماع في منطقة ويناء حضره مؤسسي الحزب جميعهم وهم القيادات والكوادر ذلك من جانبنا .اما من جانب الاخر فكان الزعيم هو الوحيد الحاضر ممثلا ليس للمجموعة فحسب , ولكن بالمعنى الذي نفهمه جميعا . أي ممثلا لطائفة بدأ وهج شمسها في السطوع و من سخريات القدر ان هؤلا المجتمعون هم الذين أسسوا الحزب الطليعي الماركسيقبل عام ويفترض ان تكون معالجة الامور متسقة مع قناعاتهم السياسية والايديولجية انما عقد المجتمع ورواسًب التجربة والضعف الانساني في التشبث بقضايا لتحقيق مآرب ومكاسب لا علاقة لها بالقضية الكبرى. كانت اكبر بكثير من الماركسية واللينية والماوية ايضا. المسالة حصرت في قضية واحدة.لماذا لا يتم عقد اجتماعات بين الكوادر المميزة من الجانبين بصورة منتظمة حسب الاتفاق الذي جرى في منطقة قدم ابان تأسيسالحزب. وقد تم تقديم كمية من السلاح والذخائر وان لم تكن مقنعة للجانب الثاني , بينما كان هناك تحفظا ورفضا في قواعد الجانب الاول . في هذا الاجتماع كان موقف اسياس حاسما .. لا نقاش الا بحل مسألة السلاح والذخائر وتكهرب الاجتماع وللامانة التاريخية، لم نرى مشكلة في السلاح ومشاركتهم في ما نملك، وكنت احد الذين يكررون هذه المعزوفة في الاجتماع بأن القضية هى في الكيفية التى يمكن ان نردم الهوة بين الطرفين .والتى أن لم تعالج بشكل سريع فستكون كارثة بكل المقايس في الانقسام الطائفي في هذا المجتمع , وفجاءة فجر الاخ احمد طاهر بادوري القنبلة التى جعلت من هذا الاجتماع شظايا وخاتمة حزينة حين قال بالحرف: أخ اسياس نحن نريد اجابة لسؤال محدد ومقنع وهو ماهي رؤيتكم للمسألة الوطنية ، وكيف تتصورون معالجتها ؟قذف بالسؤال كما الصاعقة . فما كان من اسياس الا ان وقف شاخطا , والشرريتطاير من عينيه , ويتمتم بكلمات لا اذكرها ولكنها قد تكون علي شاكلة , فالتذهبوا انتم واسلحتكم الى الجحيم وانسحب من الاجتماع بخطوات سريعة متجها صوب تلة تفصل بيننا ومكان تواجد بعض من الواحدات التابعة لهم حينها . وفجاة بدأ الاخ رمضان محمد نور في العزف على ربابة جاء بها من دورته في الصين معزوفة صينية حزينة , ولا زلت اذكر العبارة البليغة التى نطق بها الاخ أبو بكر محمد حسن حين علق علي الموقف قائلا : نحن لسنا مؤهلين لعلاج قضايا ومشاكل الثورة .بل نحن من نحتاج للعلاج من عقدناوتخلفنا السياسي والفكري . وتلك هي الحقيقة بعينها ماثلة الى يومنا هذا في النظر الى ما يحدث في معالجة القضايا الكبيرة ، برغم اختلاف الظروف وطبيعة المشاكل .المهم .. كان هذا الاجتماع هو الخاتمة الحزينة لشهر عسل ماركسي الطابع والنكهة والاحلام , لأن ما جرى بعدها يختلف بصورة جوهرية عن ما سوف يحدث. العبرة من هذه القصة هي في كشف الجانب الاساسي في تركيب شخصية الرئيس اسياس وطبيعة العقلية التى تتحكم في مجمل تصرفاته. فالرجل لم يكن يهمه فيما يفكر فيه الآخرون وماهي تحفظاتهم وفي هذه الجزئية من القصة كيف يعقل للقوى الاسلامية هكذا بوضوح أن تقوم بمد السلاح مهما قل شانه لمكون مسيحي بدأ في التكون وبسرعة مذهلة وبدون إطار سياسي متفق عليه. ومراعاة للعقد المستحكمة علي مدى تاريخ طويل ومعقد .؟ ان تكون حجر الزاوية في تفكيره وأن يجد الوسائل لتذليل المسائل واشاعة حالة من الطمأنينة ، ولكن ما جرى العكس وبحسبة لم تكن تخطر علي بال احد . فهو لم يكن يعطي اهمية كبيرة لهذه المجموعة سوى وافقت على إعطاء السلاح او لم توافق , ثم ليس لقناعاتها السياسية أي قيمة، فالسلاح والمال بيد قوى اخرى وهي التى بحاجة الي اقناع، ممثلة في الجهاز السياسي في الخارج بقيادة المرحوم عثمان صالح سبي .ولتحقيق هذا الهدف اسرع في عقد مؤتمر للتجمع الجديد لأبناء التجرينية في منطقة تخلي، وخرجت منه الوثيقة المعروفة نحن واهدافنا وهذه الوثيقة لا تعني شئ بقدر ما كانت وسيلة اقناع وتبديد شكوك و لتأكيد وطنية هذا التجمع وتم انتخاب قيادة وخرجت منه قرارات اهمها ارسال وفد الى الخارج والاتصال باالبعثة الخارجية برئاسة المرحوم عثمان صالح سبي وتجاوز الحلفاء في الداخل والتعامل مباشرة مع من بيدهم المال والسلاح .في هذا السياق هناك واقعة غريبة تظهر لنا الطبيعة المعقدة والمركبة لهذه الشخصية ولماذا تلجأ الى اساليب ميكافلية لتحقيق اهداف لا يعلم بها احد.في مؤتمر تخلي، وعند فرز الأوراق لأعضاء القيادة المرشحين فؤجئ القيمون بتسير المؤتمر بوجود ورقة واحدة قدمت كما هى بيضاء دون اسماء لأي مرشح . ولم يكن ذلك طبيعيا اطلاقا وعم الهرج والمرج حول من الذى فعل ذلك. وفجأة رفع يده وقال أنا . وحين سؤله لماذا ؟ اجاب بانه لا يرى من هو مؤهل للقيادة . تبرز تلك الواقعة حقيقة ان الرجل لم يكن مرتاحا في مجموعاته الناشئة , وان الاسباب التى كان يسوغها لتبرير عدم لقاء الكوادر هو التخوف من الا حتكاك المباشر وما يمكن ان يخلقه وبالذات على مستوى القواعد.وهكذ توجه كل طرف الى الوجهة التى يراء فيها مصلحته , فالجانب الاول ارسل وفدا برئاسة رمضان محمد نور وعضوية علي سيد عبدالله لتقييد صلاحيات البعثة الخارجية , وحصر المسؤولية بين عثمان سبي والسيد ولداب ولدماريام.بينما ذهب وفد الجانب الثاني لرسم سياسة وعلاقة جديدة مع قوى بدأت فيالبروز لكن الامور لم تسر وفق الخطط المرسومة لكل طرف. فقد اندلعت الحربالاهلية في الداخل , وذهبت تطلعات كل طرف ادراج الرياح. واصبح الموضوع محصورا بين ان نكون او لا نكون.اندلعت الحرب الاهلية وحملت كل الويلات والكوارث للثورة وللشعب الارتري بصورة عامة , ولكن هناك ايجابية اساسية قدمتها هذه الحرب السيئة , بانها ساعدت على خلق الظروف الملائمة في دمج الجانبين . واذابت كتل الجليد القائم على الشك والموروث التاريخي من العقد والخلافات . واصبحت المعاناة والاستشهاد الارضية الصلبة التى قامت عليها النواة الاولى للجبهة الشعبية فا اصبح مطلب الاندماج وخلق القيادة الواحدة والتنظيم الواحد مطلب القواعد دون استثناء , ولم تكن ظاهرة التدفق الكبير لاابناء التجرينية تثير الحساسية كالعهود السابقة. فالتضحيات ومعاناة الحرب الاهلية كانت كفيلة بغسل الادمغة والنفوس. وكان لاستشهاد قيادات بوزن الشهيد ابوبكر محمد حسن والشهيد احمد هلال .. وفي مجابهات بطولية له الوقع الخاص في نفوس وكوادر الطرفين وبالقدر نفسه سقط الشهداء من الجانب الثاني وعلى رأسهم ودي فنقل ومعشو انبايي وود شريف وغيرهم ممن كانوا يحظون بالاحترام والتقدير .ولذا فان فكرة الدمج لم تكن إلا تحصيل حاصل ولا فضل لا احد في هذا الانجاز لا قيادات ولا كوادر .بهذا الانجاز اصبحت قوات التحرير الشعبية واقعا ورقما علي الساحة , لم تمضي شهورا عدة علي هذا العرس الوطني , حتى انفجر صراع من نوع جديد لم نالفه من قبل ومطالب لم نعهدها ايضا . عرفت بحركة ثلاثة وسبعين أو المنكع بالتعبير المحلي، وتعني الخفافيش باللغة التجرينية. ونتيجة لقوة الحركة والاندفاع الجماهيري الواسع اذ كان مكونها الاجتماعي في معظمه من القطاعات المتعلمة.. طلبة ومثقفين وسكان مدن والخ. وكان الاستهداف يتركز على قيادات الجانب الثاني وعلى رأسهم اسياس افورقي واطلقوا عليه لقب الديكتاتور , وطالبوا بالديمقراطية في التنظيم .والواقع هناك ظاهرتان يجب أخذهما في الاعتبار، الاولى: ان الحركة هي تعبير حقيقي عن البنية الاجتماعية لقومية التجرينية بما لها من مستوى اقتصادي واجتماعي ونوعا ما تباين طبقي. لأن المسألة في احدى ابعادها اخذت ابعاد طبقية . والاعتبار الثاني : ان هذا الصراع كان مخفيا ومحصورا ضمن الجانب الثاني وهو عالم خاص بالتجرنية ولذا نرى جهل قيادة الحركة بالواقع الاجتماعي الارتري , ولم يتمكنوا من اقناع الجانب المسلم برغم مطلب الديمقراطية. والتخلص من القوى التقليدية. وقد كنت اردد شخصيا تعليقا بعد زمن على هذا الموقف تحديدا بمقولة مفادها : ان من لم يمر بتجربة جبهة التحرير الارترية يصعب عليه فهم المجتمع الارتري . لأن الجبهة كانت بحق مرآة هذا المجتمع، بغض النظر عن السياسة. المهم كانت هذه الحركة هي التحدي الحقيقي للرئيس اسياس ومستقبله السياسي , وقد اوصلوه كما يقال الى حافة الهاوية , ولكن وبقوانين الواقع الاجتماعي المتخلف انزلقت الحركة الى وسائل التخلف الاجتماعي وتحولت الى صراع مناطقي مما سهل ضربها والاجهاز عليها . وللامانة التاريخية , أن ممن تزعموا هذه الحركة لم يكن بذهنهم استغلال الواقع وادواته , ولكن هناك من استغلوا الاندفاع اليساري ذو الميول الطفولية , لإسقاطهم في هذا الفخ.خرج الزعيم شبه منتصرا .. ولكن كي يكون الانتصار مكتملا وبواقع ما حملتهالحركة من مفآجأت كان لا بد من احياء فكرة الحزب بعد ان وضع في ثلاجة تبريد واخضع لبيات شتوي طويل.الميزة الأساسية التى كانت تميز الرئيس حينها انه كان يستخلص الدروس ويستفيد من العبر والدروس , والتي اعتقد جازما انه فقدها بعد دخولنا الىاسمرا.اذكر في نهاية عام خمسة وسبعون وكنا في منطقة باقوس وقد بلغ الصراع مستوى اقرب الى هستيريا, وقد كنت منزعجا بالطريقة التى يسير عليها التنظيم .وان قضية المنكع بحاجة الى خاتمة. اذ لا يعقل ان تكون اداة ترهيب. وان عليه ان يقدم دراسة تحليلية لهذه الظاهرة تكون وسيلة توعية ويغلق هذا الملف. لم يمر وقتا طويلا حتى قدم لنا دراسة اقرب الى كتاب لم اعد اذكر المحتوى وطلب منا اعادة سحبه من الوحدات واحراقه بعد قراته على جميعالوحدات والأجهزة، وان تكون الطبعات محدودة. اذكر اننى لم اكن مقتنعا بما ورد في هذه الدراسة ولكن كان الوقت قد مضى ولا ينفع معه الكلام. لكم التحية والى الحلقة القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى