القرن الإفريقي والبحر الأحمر.. هل تتجه المنطقة نحو حرب إقليمية وإعادة رسم موازين النفوذ؟
بقلم /صالح اشواك
لم تعد التوترات المتصاعدة في القرن الإفريقي مجرد خلافات حدودية أو صراعات داخلية منفصلة، بل أصبحت جزءاً من مشهد جيوسياسي معقد تتداخل فيه المصالح الإفريقية والعربية والدولية. فالتوتر بين إثيوبيا وإريتريا، واستمرار الحرب في السودان، وسعي إثيوبيا للحصول على منفذ استراتيجي إلى البحر الأحمر، إلى جانب تنامي التنافس الإقليمي والدولي على الموانئ والقواعد العسكرية، كلها مؤشرات تفتح الباب أمام تساؤل جوهري هل نحن أمام مقدمات حرب إقليمية قد تعيد تشكيل خارطة النفوذ في المنطقة؟
تسعى إثيوبيا، باعتبارها دولة كبيرة ذات ثقل سكاني وعسكري واقتصادي في شرق إفريقيا، إلى استعادة منفذ بحري يمنحها موقعاً استراتيجياً في معادلات التجارة والأمن الإقليمي وفق تصريحات رئيس الوزراء وقيادات عسكرية بارزة.
ولا يمكن فصل هذا التوجه عن تطوير قدراتها العسكرية، بما فيها الطائرات الحربية والطائرات المسيرة، وعن علاقاتها المتنامية مع قوى إقليمية ودولية.
غير أن امتلاك المعدات العسكرية لا يعني بالضرورة الاستعداد لحرب شاملة كما جاء في تصريحات وزير الإعلام الإرتري او في الشكوى التي تقدمت بها ارتريا الى مجلس الأمن الدولي، لكنه أعتقد أنه يعكس رغبتها في تعزيز الردع وفرض حضور أقوى في أي مفاوضات مستقبلية. وتبقى العلاقة مع إريتريا نقطة شديدة الحساسية، لأن أي مواجهة بين البلدين قد تتجاوز حدودهما لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى.
السودان يعد الحلقة الأكثر هشاشة في المعادلة بينما يمثل السودان أحد أهم مفاتيح التوازن في المنطقة، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي المطل على البحر الأحمر، وإنما أيضاً بسبب امتداده الحدودي مع دول القرن الإفريقي ومصر وليبيا وتشاد وجنوب السودان.
إن استمرار الحرب السودانية يفتح المجال أمام تعدد مراكز النفوذ والتدخلات الخارجية، ويهدد بتحويل البلاد إلى ساحة تنافس إقليمي على الموانئ والموارد والممرات الاستراتيجية. وإذا تزامن ضعف الدولة السودانية مع مواجهة إثيوبية إريترية محتملة، فقد يجد السودان نفسه في قلب صراع يتجاوز أزمته الداخلية، ويهدد وحدة أراضيه واستقلال قراره الوطني.
لا يمكن قراءة المشهد دون التوقف أمام الحضور الإماراتي والسعودي والمصري، إلى جانب الدور التركي والإيراني والإسرائيلي.
فالإمارات تسعى إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي في الموانئ والقرن الإفريقي، بينما تنظر السعودية إلى أمن البحر الأحمر باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها الوطني ومصالحها الاقتصادية. أما مصر، فترتبط حساباتها بأمن النيل واستقرار السودان ومنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة نفوذ تهدد مصالحها الاستراتيجية.
وفي المقابل، تسعى تركيا وإيران إلى تعزيز حضورهما الإقليمي وفق حسابات مختلفة، ما يجعل المنطقة ساحة تنافس متعدد الأطراف، وليس مجرد صراع بين محورين واضحين.
بينما تعد التحركات الإسرائيلية في القرن الإفريقي أهمية خاصة بالنظر إلى موقع البحر الأحمر وباب المندب في الأمن القومي الإسرائيلي والتجارة الدولية.
فأي توسع في الشراكات الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية على الضفة الإفريقية للبحر الأحمر قد يمنح إسرائيل قدرة أكبر على مراقبة الممرات البحرية والتعامل مع التهديدات الإقليمية، خصوصاً المرتبطة بالحوثيين وإيران.
أن انشغال مصر والسودان وإريتريا بأزمات متزامنة قد يضعف قدرتها على التأثير في التوازنات الإقليمية، وهو ما قد يصب في مصلحة إسرائيل بصورة غير مباشرة.
لكن من المهم عدم الخلط بين الاستفادة من الأزمات والتخطيط المسبق لإشعالها فلا توجد أدلة كافية تثبت وجود مشروع موحد بين إسرائيل وبعض دول الخليج لإشعال حرب إقليمية وإعادة تقسيم المنطقة.
هناك اكثر من سينايو محتمل يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية
السيناريو الأول احتواء التوتر و نجاح الوساطات الإقليمية والدولية في منع الحرب الإثيوبية الإرترية، مع استمرار التنافس على النفوذ والموانئ بوسائل سياسية واقتصادية.
السيناريو الثاني اندلاع مواجهة عسكرية بين إثيوبيا وإرتريا، تتدخل فيها أطراف خارجية بصورة غير مباشرة، دون أن تتحول إلى حرب إقليمية شاملة.
السيناريو الثالث اتساع المواجهة لتشمل السودان والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، من خلال دعم أطراف متنافسة سياسياً وعسكرياً، وهو السيناريو الأكثر تهديداً لاستقرار المنطقة.
السيناريو الرابع وهو السيناريو الأكثر أهمية على المدى البعيد، حيث تتغير خريطة التحالفات ومناطق النفوذ والسيطرة على الموانئ والممرات البحرية، دون ضرورة تغيير الحدود الجغرافية للدول.
في حال اتساع الصراع، قد تحقق بعض القوى مكاسب استراتيجية مؤقتة، وعلى رأسها القوى التي تنجح في توسيع نفوذها البحري والأمني. وقد تكون إسرائيل من أبرز المستفيدين إذا تراجع التوازن العربي والإفريقي في البحر الأحمر.
لكن الخاسر الأكبر سيكون السودان، إذا استمرت هشاشة مؤسساته وتعددت مراكز القرار فيه، كما ستواجه مصر تحديات إضافية في أمنها المائي والجنوبي، وستتحمل دول البحر الأحمر تكاليف أمنية واقتصادية كبيرة.
إن ما يجري في القرن الإفريقي والبحر الأحمر يستحق قراءة تتجاوز حدود الأزمات المنفصلة. فنحن أمام منطقة تتنافس فيها القوى على النفوذ البحري والموانئ والموارد والممرات التجارية، وتتقاطع فيها الحسابات الأمنية مع الطموحات السياسية والاقتصادية.
ولا أعتقد أن الحرب الإقليمية الشاملة أصبحت أمراً حتمياً، لكن احتمالات التصعيد قائمة، خصوصاً إذا اجتمعت المواجهة الإثيوبية الإرترية مع استمرار تفكك السودان وتزايد التدخلات الخارجية.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغل دول المنطقة ليس فقط من سيبدأ الحرب؟ بل من سيعيد تشكيل موازين القوى بعد انتهائها، ومن سيدفع ثمنها؟
ففي معارك الجغرافيا السياسية، لا يكون المنتصر دائماً هو من يخوض الحرب، بل قد يكون من يخرج منها وقد أصبحت الموانئ والممرات والتحالفات وموازين النفوذ تعمل لمصلحته.
٢٠٢٦/١١/٠٣م




