سيناريوهات اليوم التالي لسقوط افورقي!
صالح م. تيدروس
ماذا سيحدث لوخرج افورقي من المشهد فجأة الآن؟ سؤال غالبا ما يتكرر في اذهان الارتريين الحادبين على مصلحة وطنهم، وازداد الإلحاح على طرح السؤال مؤخرا بعد تهديدات الجيش الاثيوبي باجتياح الحدود الارترية اثر السيطرة على اقليم تجراي. ولكنه يظل سؤالا صعبا يتهرب الجميع من الاجابة عليه بشكل موضوعي، عقلاني يأخذ كل العوامل في الاعتبار دون الجنوح الى النزعات العاطفية والميولات الرغائبية. فالداعمون لنظام افورقي مثلا، لا يحبون طرح مثل هذا السؤال من الاساس ويطمئنون انفسهم بأن كل شيء سيكون على ما يرام حتى لو ذهب افورقي وهم يعلمون في قرارة انفسهم واعماق قلوبهم بأنهم ينافقون انفسهم قبل غيرهم. أما المعارضون للنظام فقلوبهم شتى ومواقفهم متنوعة واهدافهم متشعبة.
فمنهم من يقول: فليسقط افورقي بأي وسيلة كانت ثم لنرى ليحدث ما يحدث ولن يكون هناك اسوء مما كان عليه الأمر في عهده. اصحاب هذا الطرح يمكن وصف حالتهم بالمقامرين المغامرين اي انهم يخوضون غمار التجربة الذهنية دون تخطيط ودون التفكير بجدية في العواقب المتوقعة. وغالبا ما يفكر بهذه الطريقة هولاء اليائسون من رتابة الواقع ويأملون في هزة عنيفة يُترك للقدر تحديد ملامح نتائجها وعواقبها.
وهناك فئة اخرى تحمل نفس الأفكار السابقة ولكنها تنخرط عمليا في احداث الهزة العنيفة بالتعاون مع القوى الخارجية على امل ان تحل كبديل للنظام في حال سقوطه. وتتميز هذه الفئة بأنها تضمن على الأقل نسبة مئوية معينة من العواقب المتوقعة بفعل الدعم الذي تتلقاه من القوى الخارجية ولكنها غيرمدركة لمآلات المستقبل البعيد( مثل مصير كرزاي والجلبي) وهو امر غير مهم بالنسبة لها لأنها باختصار تتشكل من الانتهازيين الذين يطمحون في السلطة ولو الى حين.
فئة ثالثة من المعارضين للنظام تعارض التدخلات الخارجية لتغيير النظام بل وتقف في صف واحد مع النظام في حال حدوث التدخل الخارجي ولكنها عاجزة في احداث التغيير بنفسها نتيجة ضعفها وغياب الدعم الجماهيري لها وانسداد افقها في تلمس الوسائل التي يمكن من خلالها اسقاط النظام.
الفئة الرابعة يمكن وصفها بأنها من المعارضين للتدخلات الخارجية ولكنها لا تقف في صف واحد مع النظام في حال حدوث التدخل الخارجي مهما كان الثمن لأنها تعتتقد بأن الوقوف مع النظام يطيل بقاءه ويفقدها هي شرعيتها كمعارضة.
أما الفئة الخامسة والأخيرة فتشكل الأغلبية الساحقة من الارتريين سواء داخل الوطن او في دول المهجر الذين يدركون بأن نظام افورقي استنفد كل عوامل بقاءه ويجب استبداله ولكنهم غير راضين في نفس الوقت عن اداء القوى المعارضة للنظام ولذلك يضعون ايديهم على قلوبهم كلما استجد طارء حتى لا يضيع وطنهم الذي دفعوا من اجله فلذات اكبادهم.
نعود الآن الى سؤالنا الاساسي وهو ماذا سيحدث لو سقط نظام افورقي؟
لسنا هنا بصدد الحديث عن السيناريوهات المحتملة لو تم اسقاط النظام على يد قوى خارجية لأن ذلك امر مفروغ منه ولا يحتاج الى تنبؤات وتوقعات، فالقوى الخارجية المنتصرة ستشكل ادارة او حكومة تابعة لها من الارتريين الذين تعاونوا معها وتحميهم بجيشها الى حين. اما سقوط النظام من تلقاء نفسه بسبب الغياب او التغييب المفاجئ لافورقي فهذا امر آخرا ينبغي دراسته لمعرفة ما يمكن ان تؤول اليه الأمور.
لو كانت هناك في ارتريا مؤسسات دولة عريقة لا يحتاج الباحث الى اجتهادات كثيرة لمعرفة مآلات ملئ الفراغ الذي ينتج عن خروج رأس النظام من المشهد فجأة لأن المؤسسات تملك آليات متعددة للاحلال والابدال دون حدوث فوضى او ازمات سياسية، اما في حالتنا الراهنة فالامر معقد جدا ومن الصعب التكهن بما سيحدث لان افورقي وعلى نهج لويس الرابع عشر امسك بكل مفاتيح الدولة في قبضته ولن يترك شاردة او واردة الا وكان له شان فيها. توفي لويس الرابع عشر بعد مرض فجائي ألم به فقبل الفرنسيون بابنه وريثا للعرش بهتافهم الشهير ” مات الملك عاش الملك” وتوج لويس الخامس عشر ملك جديدا لفرنسا. هذا يقودونا الى التوقف عند السيناريو الأول وهو اعلان الابن الأكبر لافورقي “ابراهام” رئيسا جديدا لارتريا. يرجح غالبية المحللين حدوث هذا السيناريو بنسبة عالية بدليل انه لاتوجد شخصية بديلة تنافس ابراهام على كرسي الرئاسة حيث انقض افورقي خلال السنوات الماضية على كل منافسيه من خلال تغييبهم او اخراجهم من المشهد تماما. وفي اغلب الظن ان المجموعة المحيطة بافورقي مثل يماني قبراب وحقوص قبرهويت والجنرال فليبوس لا يعارضون مثل هذا الخيار وهم الثلاثة الذين يمسكون بالملفات السياسية والاقتصادية والعسكرية. غير ان الطريق امام ابراهام ليس مفروشا بالورود فهو اولا يفتقر الى المواصفات الشخصية التي تؤهله لتولي مثل هذا المنصب مثل التجربة العملية والحنكة والدهاء السياسي والذكاء الفطري ويكفيه فشلا انه لم يستطع حتى الحصول على نقاط معتبرة في امتحانات الشهادة الثانوية في ساوا حيث كان رصيده (صفر) في كل المواد. وشخص مثل هذا سيكون بلا شك ليس مقررا بل لعبة في يد الذين دفعوا به الى هذا المنصب (الرئاسة). ثانيا ليس كل الأطراف المؤثرة في مختلف المؤسسات ستوافق ضمنيا على هذا الخيار، فهناك العديد من المناضلين الذين يتولون مناصب حساسة في المؤسسة العسكرية او الاجهزة المدنية يرون بأن هكذا خطوة تمثل عارا على نضالتهم وأنهم لم يبذلوا الغالي والنفيس من اجل اقامة مملكة يتوارثها ابناء افورقي. واذا ما اقدم هولاء على خطوة عملية لاعلان معارضتهم لاختيار ابراهام حتما ستحدث مواجهة ربما تكون عنيفة مع المجموعة المؤيدة لتنصيب ابرهام. وهذا يعنى ان هذا السيناريو ربما يؤدي الى الفوضى التي لا تُحمد عقباها في نهاية المطاف.
السيناريو الثاني هو ان تتوافق اركان الحكم بتولى قائد المؤسسة العسكرية (فليبوس في هذه الحالة) او وزير الحكومات المحلية (عبدالله موسى) منصب الرئاسة بشكل مؤقت لمدة عام او ستة اشهر لحين عقد مؤتمر عام للهقدف ومن ثم اختيار رئيس جديد وفق نتائج المؤتمر. هذا الاحتمال ان تم اللجوء اليه يعتبر حلا توفيقيا قد يحول دون الانزلاق نحو الفوضى ويدل على انه مازال هناك عقلاء يديرون المشهد بحكمة واقتدار. ولكن هذا المسار ايضا محفوف بالمخاطر فالرياح لا تأتي دائما من حيث تشتهي السفن فالأوضاع المعيشية للشعب صعبة للغاية والاغلبية من الشعب في الداخل تحمل السلاح وقد تجد بعض العناصر التي استطاعت ان تخفي حنقها طوال فترة وجود افورقي فرصة للتعبير عن مطالبها باحداث التغيير حتى لو اضطرت ان تطرح مطالبها بقوة السلاح وقد تجد دعما ومناصرة من بعض اطراف المعارضة الموجودة بالخارج. وربما كانت هناك ابعادا اقليمية ومناطقية في مثل هكذا تحرك مما يؤدي الى مواجهات عنيفة تطيح بالفترة الانتقالية وتحدث الفوضى التي يخشى منها الجميع. ايضا هناك عامل التدخل الخارجي حيث ان ارتريا تحتل موقعا استراتيجيا هاما في منطقة القرن الافريقي وجنوب البحر الأحمر وتتحكم في مضيق باب المندب وهو موقع يجعلها في غير مأمن من التدخلات الخارجية سواء تلك الهادفة الى كسب الصداقة والولاء اوتلك التي تريد فرض شروط الطاعة بالقوة والتهديد. وأيا كان نوع تلك القوى الخارجية فأنها ستنتهز فرصة غياب افورقي للتدخل في الشأن الداخلي الارتري ومحاولة التأثير على نوعية السلطة التي تأتي بعد افورقي مما يقوض فرص الارتريين على تجاوز المرحلة الانتقالية باتفاق فيما بينهم.
السيناريو الثالث هو حدوث مواجهات مسلحة في اليوم التالي لغياب افورقي بين مختلف التشكيلات العسكرية التي كان يديرها افورقي على نهج “فرق تسد” حيث يجد كل قائد عسكري فرصته للانتقام من الآخر وفرض ارادته بالقوة المسلحة وهو سيناريو وان كانت فرص حدوثه ضعيفة ولكنه غير مستبعد.
السيناريو الرابع والاخير هو ان يحكّم القائمون على الامور في اسمرا عقلهم ويتخذوا خطوات عملية لتصحيح الامور التي عمد افورقي الى تخريبها مثل الافراج عن جميع المعتقلين في السجون وفتح ابواب الحوار مشرعة مع كافة اطياف المعارضة من خلال الدعوة لمؤتمر حوار جامع والتوصل الى اتفاق حد ادنى يحدد عبره طريقة التداول السلمي للسطة والانفتاح الايجابي على كافة دول الجوار دون المساس بالسيادة الوطنية والابتعاد قدر المستطاع عن المحاور الاقليمية التي قد تؤثر على الوضع الداخلي.
هذا السيناريو هو المفضل لدى كافة الارتريين ولكن احتمال حدوثه ضعيف للغاية خاصة ان كل المؤشرات لا تتوافق مع الأرضية الملائمة التي ينبغي توفرها لحدوث مثل هذا السيناريو وعليه يظل مجرد رغبة وطموح اكثر منه احتمال قابل للحدوث.
هذه السيناريوهات المحتمل حدوثها في اليوم التالي لسقوط افورقي مبنية على الوقائع التي نعايشها في الوقت الراهن وربما تكون هناك مفاجاءات لم تكن متوقعة نتيجة تطورات سياسية جديدة لم تكن في الحسبان مستقبلا.




