تجاوز ردود الفعل والانقسامات: دعوة إلى نضج سياسي إريتري.

بقلم: يوهانس أسملاش
أكتوبر 2026
عاشت التنظيمات السياسية الإريترية، على مدى عقود، داخل حدود لم ترسمها الأيديولوجيا بقدر ما شكّلتها الهوية والتاريخ وردود الفعل الموروثة. واليوم، فيما تواجه البلاد مرحلة جديدة تتسم بعدم اليقين الإقليمي والتشظي الداخلي، أرى أن الحاجة باتت ملحّة إلى صحوة وطنية أعمق. فالتنوع ليس إصلاحًا شكليًا ولا مجرد لفتة رمزية، بل هو أساس النضج السياسي، والطريق الوحيد لبناء تنظيمات قادرة على خدمة مجتمع تعددي.
لطالما جرى، بصورة غير رسمية، تصنيف التنظيمات السياسية الإريترية على أنها ذات غالبية مسيحية أو ذات غالبية مسلمة. وعلى الرغم من أن هذه التصنيفات كثيرًا ما تكون غير دقيقة، فإنها تحولت إلى مؤشرات مؤثرة تشكّل نظرة الرأي العام، وتحدد من يشعر بأنه موضع ترحيب داخل التنظيم ومن لا يشعر بذلك. غير أن الحقيقة بسيطة: فالتنظيم ذو الغالبية المسيحية ليس بالضرورة معاديًا للمسلمين، كما أن التنظيم ذو الغالبية المسلمة ليس بالضرورة معاديًا للمسيحيين. لقد أصبح التوصيف الخاطئ رد فعل سياسيًا تلقائيًا أكثر من كونه انعكاسًا للواقع السياسي. وهو ما يثبط الانضمام إلى التنظيمات عبر خطوط الهوية المختلفة، ويعزز المخاوف الموروثة، ويحول دون تطور التنظيمات إلى مؤسسات وطنية.
تكمن الخطورة في التحيز التلقائي. فقد ورث المجتمع الإريتري نزعة إلى افتراض الإقصاء حتى في الحالات التي قد لا يكون فيها موجودًا أصلًا. فإذا غلب المسيحيون على عضوية تنظيم ما، يُفترض أنه ضيق الأفق ثقافيًا، وإذا غلب المسلمون على عضويته، يُفترض أنه ذو توجه ديني. وهذه الافتراضات ليست غير دقيقة فحسب، بل إنها مضرّة سياسيًا أيضًا، لأنها تمنع الإريتريين من الانضمام إلى تنظيمات يؤمنون فعلًا ببرامجها. إن النضج السياسي يقتضي تقييم التنظيمات على أساس مبادئها وبرامجها وقدراتها، لا على أساس التركيبة الديموغرافية لعضويتها.
ولا يتحقق التنوع من تلقاء نفسه، بل يتطلب تواصلًا مقصودًا وواعيًا. فالتنظيمات التي يغلب عليها المسيحيون مطالبة بالتواصل الفعلي مع المجتمعات المسلمة، لا بصورة رمزية، بل بصدق وجدية. وبالمثل، فإن التنظيمات التي يغلب عليها المسلمون مطالبة بالتواصل مع المجتمعات المسيحية بالوضوح والصدق نفسيهما. يجب أن تقوم العضوية على القناعة، لا على الهوية. والتواصل ليس مجاملة، بل مسؤولية سياسية؛ فهو يبعث برسالة الانفتاح، ويبني الثقة، ويكسر الحواجز النفسية التي أبقت السياسة الإريترية منقسمة طوال عقود.
أما التسامح، الذي غالبًا ما يُنظر إليه بوصفه فضيلة اجتماعية، فيجب أيضًا فهمه باعتباره أداة سياسية. وفي السياق السياسي الإريتري، يعني التسامح الترحيب بأعضاء لا ينتمون إلى الخلفية الدينية نفسها، واحترام الاختلافات الثقافية داخل التنظيم، وإتاحة المجال أمام الأصوات المتنوعة للمساهمة في صياغة البرنامج السياسي، ورفض اتخاذ الشك موقفًا افتراضيًا تجاه الآخرين. التسامح ليس ضعفًا، بل هو أساس القوة السياسية الوطنية.
ومع ذلك، فإن أكبر عائق في السياسة الإريترية ليس الأيديولوجيا، بل الخوف. يخشى الأفراد عبور خطوط الهوية بمفردهم. فالمسيحي الذي يجد نفسه مقتنعًا بتنظيم ذي غالبية مسلمة يتردد، والمسلم الذي يحترم تنظيمًا ذا غالبية مسيحية يتردد كذلك. وهذا التردد ليس أيديولوجيًا في جوهره، بل اجتماعي؛ إنه الخوف من إساءة فهم المجتمع للفرد، والخوف من العزلة، والخوف من عبور خط لم يجرؤ الآخرون بعد على تجاوزه.
الشجاعة السياسية تعني عبور هذه الخطوط رغم ذلك. فانضمام مسيحي إلى تنظيم ذي غالبية مسلمة يمثل فعلًا من أفعال الشجاعة الوطنية، كما أن انضمام مسلم إلى تنظيم ذي غالبية مسيحية هو تعبير عن النضج السياسي. فمثل هذه الخطوات تكسر المحظورات، وتعيد تشكيل الثقافة السياسية، وتسهم في بناء إريتريا التي لم تُتح لها بعد فرصة التحقق.
كثيرًا ما توصف الانقسامات الإريترية بأنها قديمة أو حتمية، غير أن التاريخ يروي قصة مختلفة. فالشقوق التي تشكل الحياة السياسية الإريترية اليوم لم تنشأ جميعها داخل إريتريا؛ بل إن كثيرًا منها انتقل إلى البلاد مع التيارات الفكرية والأيديولوجية العالمية التي اجتاحت العالم خلال القرن الماضي.
فقد ازداد الانقسام الديني بين مسيحيي المرتفعات ومسلمي المنخفضات حدةً بفعل التوسع الاستعماري الأوروبي، والمؤسسات التبشيرية، والهياكل الإدارية التي أدخلت أشكالًا جديدة من الشك والتنافس القائم على الهوية. أما الانقسام الأيديولوجي في ستينيات القرن الماضي، فقد تأثر بالصعود العالمي للماركسية، التي أعادت صياغة التفكير السياسي حول مفهومي الطبقة والثورة. كما تأثر الوعي السياسي الإسلامي في ثمانينيات القرن الماضي بتحولات جيوسياسية أوسع، امتدت من الثورة الإيرانية إلى صعود الإسلام السياسي في أنحاء الشرق الأوسط.
لم تُنشئ هذه الموجات الهوية الإريترية، لكنها أعادت تشكيل بعض تعبيراتها، وعمّقت خطوط انقسام كانت في السابق أقل وضوحًا. وما يبدو اليوم انقسامًا «طبيعيًا» ليس، في جانب منه، سوى إرث لعواصف أيديولوجية عالمية مرت بإريتريا وتركت وراءها عادات سياسية ومخاوف وردود فعل متجذرة بعمق.
وتكمن المأساة في أن الإريتريين ورثوا كثيرًا من هذه الانقسامات من دون أن يختاروها. وفهم هذا التاريخ أمر بالغ الأهمية، لأنه يكشف أن انقسامات إريتريا ليست قدرًا محتومًا. فهي ليست دائمة، وليست متأصلة بطبيعتها. وإلى حد كبير، هي نتاج تأثيرات خارجية؛ وما جرى استيراده يمكن تفكيكه، وما جرى تعلمه يمكن التخلص منه، وما فُرض يمكن تجاوزه.
ويقدم نظام الحكم القائم على الإثنية في إثيوبيا لإريتريا تحذيرًا ودرسًا في آن واحد. فقد أظهر إلى العلن مظالم طال تجاهلها، ومنح جماعات مهمشة اعترافًا حُرمت منه طويلًا. لكنه أسهم أيضًا في مزيد من التشظي، وخلق حدودًا سياسية جديدة سرعان ما استغلها الانتهازيون. ينبغي السعي إلى العدالة، ولكن ليس عبر التشظي؛ وينبغي ضمان الاعتراف بالحقوق والهويات، ولكن ليس من خلال الانقسام.
يجب على التنظيمات السياسية الإريترية أن تتجاوز التفكير القائم على الهوية، وأن تنظر إلى نفسها بوصفها مؤتمنة على الوطن بأسره: جباله وأنهاره، صحاريه وسهوله، سواحله وجزره. فعندما ينظر التنظيم إلى إريتريا بكامل جغرافيتها، تتسع رؤيته، ويصبح الحكم مسؤولية تجاه كل مجتمع يعيش على امتداد الوطن.
وللتمثيل دلالته السياسية. لا توجد في إريتريا تنظيمات سياسية رئيسية تقوم برامجها بصورة صريحة على أساس ديني؛ فبرامجها في جوهرها مدنية ووطنية. ومع ذلك، عندما يعمل تنظيم من دون وجود عضو مسلم واحد في صفوفه، فإنه يبعث، من دون قصد، برسالة توحي بالإقصاء. والعكس صحيح بالقدر نفسه. فالغياب في حد ذاته يتحول إلى رسالة سياسية، وعلى التنظيمات اتخاذ خطوات مدروسة لتصحيح مثل هذه الإشارات.
غير أن التنوع وحده لا يكفي. إذ يتعين على التنظيمات السياسية الإريترية أن تهيئ نفسها للحكم. فالدعوة إلى الديمقراطية أمر أساسي، لكنها لا تكفي بمفردها. وعلى التنظيمات تطوير سياسات اقتصادية واجتماعية، وأطر للحكم، وخطط إدارية، واستراتيجيات للخدمات العامة، ونماذج للتنمية الوطنية. ومن دون ذلك، ستظل التنظيمات متشابهة إلى حد يصعب التمييز بينها، ليس من حيث الأيديولوجيا، بل من حيث مدى جاهزيتها للحكم.
كما يقتضي النضج السياسي الاعتراف بالمظالم من دون تحيز أعمى. فالمظالم التي خلّفها الاستعمار، والانقسامات التي نشأت خلال مرحلة الكفاح التحرري، والتهميش الإقليمي، والقمع الذي أعقب الاستقلال، كلها قضايا ينبغي تناولها بصراحة. الحديث عن الظلم ليس عداءً، بل هو صدق وطني. فكثيرًا ما تتعامل الثقافة السياسية الإريترية مع مجرد الحديث عن مظلمة ما باعتباره تهديدًا، وتسارع إلى وصمه بالجهوية أو الطائفية. وهذا رد فعل يعرقل المصالحة ويحول دون نضج التنظيمات السياسية.
تقف إريتريا اليوم عند لحظة لم يعد من الممكن فيها السماح للانقسامات القديمة والمخاوف الموروثة والمظالم المسكوت عنها بأن ترسم مستقبل البلاد. ويتطلب النضج السياسي الوطني رفض الأحكام التلقائية، وممارسة التواصل الواعي والمقصود، واعتماد التسامح أداة سياسية، ومعالجة أوجه القصور في التمثيل، وإعداد التنظيمات لتولي مسؤوليات الحكم، والاعتراف بالمظالم من دون خوف، وتشجيع الأفراد على الانضمام إلى التنظيمات السياسية على أساس القناعة لا الهوية.
إن مستقبل إريتريا لن تصنعه الأيديولوجيا وحدها، بل سيصنعه الشمول والكفاءة والحقيقة والنضج السياسي.
لقد حان الوقت لعبور الحواجز.
وحان الوقت لتنويع التنظيمات السياسية.
وحان الوقت للاستعداد للحكم.
وحان الوقت للاعتراف بالمظالم من دون خوف.
وحان الوقت لبناء إريتريا التي يستحقها شعبها.



