تقارير

بروفايل معاند لإدريس هنقلا ( 35 ) عاما من الحضور ! جمال همد

20-Sep-2020

عدوليس ـ ملبورن

كانوا يرتعدون وهم يقتربون بحذر من قائد اللواء (19) للأسلحة الثقيلة بجبهة التحرير الإريترية ، في ذلك المساء الخريفي بحي شعبي بمدينة كسلا السودانية. الشاب المتوسط الحجم والمعروك بوقائع السجالات العسكرية ، كان قد أوقف للتو سيارته ذات الدفع الرباعي.

الفتى المولود بمنطقة حلحل 1946م والذي إلتحق بالنضال الإريتري مبكرا، قد تدرج في المهام إلا ان أصبح عضوا بهيئة الأركان العامة،كان يستعد لملاقاة أسرته عندما عالجته فرقة الموت بعدد من الطلقات بمسدس كاتم للصوت ، واضعة خاتمة لحياة مناضل وضعها منذ 1966 تحت تصرف شعبه التواق للحرية والعدالة والكرامة.
(2)
فرقة الموت التي يتم إختيارها من بين عدد من ذوي العاهات الإجتماعية والنفسية أو ممن يتم توريطهم في أعمال لا أخلاقية بعناية فائقة من بين حملة السلاح من المقاتلين والمدنيين بالجبهة الشعبية لتحرير إريتريا ، لتم تدريبهم في عدة أماكن منعزلة في الساحل الشمالي في إريتريا ثم إرسالهم للمدن السودانية، وبقية عواصم ومدن بلدان القرن الإفريقي.
الجهازالسري المعقد التكوين يدير عدد من تلك الشبكات في مختلف أنحاء العالم، وتناوب على رئاسته عدد من القيادات التي ترتبط بالزعيم الأوحد للتنظيم أسياس أفورقي.
وقد كشف الضابط السابق بالجهاز يماني قبر قرقيش والذي كان يتخذ من مقديشو مقرا له في كتابه ” ماذا جنينا من ذهابنا للساحل ــ تجربتي بالجبهة الشعبية” وسمى خمسة أشخاص كانت تتكون منهم خلية السودان في صفحة ( 317) في كتابه الصادر في 2017م .
أحاطت فرقة القتل بالمكان مع عدد من المساعدين اللوجستيين ونفذوا عمليتهم في الدقائق التي عم فيها الظلام كل أرجاء المدينة نتيجة قطع الكهرباء بشكل متعمد…أطلقوا رصاصاتهم بكواتم الصوت وهربوا ككل الأوغاد .. هُربوا للميدان وبالقطع لقوا حتفم في المنحدرات الوعرة في الساحل الشمالي بطرق مهينة تتناسب وقدراتهم، كما يتم التخلص من بعض واضعي الخطط من الضباط تباعا .. إنقلاب سيارة .. موت مفاجيء .. أمراض غامضة.
رئيس هيئة الأركان العامة لجيش التحرير الإريتري في جبهة التحرير الإريترية ـ التنظيم الموحدـ هو واحدا من الذين آلو على أنفسهم بقواعد إشتباك مع الجبهة الشعبية ، قواعد إشتباك من جانب واحد ببعد أخلاقي ، تأخذ بين الإعتبار علاقة الشعبين الإريتري والسوداني كخط أحمر وهذا ما لا تقره إيدلوجية العنف التي لا أخلاق لها وهي بعيدة قطعا عن النبل الثوري الإريتري، لذلك كان رئيس هيئة الأركان يعود إلى منزله دون حراسة ودون سلاح، مما سهل النيل منه.
(3)
الشهيد القائد إدريس إبراهيم هنقلا تقول سيرته الذاتية، والتي لا تنفصل عن سيرته النضالية والعسكرية:
“تلقى تعليمه الاولي بمنطقة حلحل،ثم انتقل لمواصلة المرحلة الوسطى بكرن ، قاطع دراسته الثانوية وانتظم في الخلايا السرية لجبهة التحرير الارترية و نشط في العمل الجماهيري، كما اسندت إليه عمليات جمع التبرعات والإشتركات في عموم مدينة كرن وأريافها.
في عام 1966م إلتحق بصفوف جيش التحرير الاريتري مقاتلا بالمنطقة الثانية ، وبعد اكمال التدريب العسكري أصبح مسؤولا عن الإستخبارات في الفصيلة الأولى بالمنطقة الثانية.
عام 1968م تم ابتعاثه مع مجموعة من رفاقه للجمهورية العربية السورية لدراسة العلوم العسكرية و السياسية والتوجيه المعنوي وشؤون الادارة العامة،
وفي أغسطس 1969م اختير من قبل القيادة العامة عضوا في لجنة تقصي الحقائق التي كانت ضمن مقررات مؤتمر أدوبحا العسكري.
وفي عام 1970م عين من قبل جهاز الأمن العام ، مسؤولاً عن استخبارات المنطقة الأولى.
شارك في عملية تحرير السجناء من سجن سنبل بأسمرا عام 1975م.
في عام 1976م ابتعث مرة للجمهورية العربية السورية للالتحاق بكلية ضباط التابعة لحركة (فتح) الفلسطينية وتخرج منها ضابط برتبة ملازم، قوات خاصة.
بعد عودته من سوريا عين مشرفا على الوحدة الادارية رقم (8)”.
شارك في عمليات تحرير المدن ،وبرز دوره القيادي الموصوف من قبل رفاقه بالإنضباط والجسارة والقدرات الإستخبارية، كما تطورت تجاربه العسكرية مع التطور الهائل لجيش التحرير الإريتري كما ونوعا، وتم تسميته نائبا لقائد اللواء ( 69) ،وآمرا للواء ( 19 ) الأسلحة الثقيلة”.
(4)
” وجدته يتنفس بصعوبة، وطفقت وأنا لا أعي ما أقول: ” من الذي فعل ذلك بك؟ ” من هو؟!!
وحملناه إلى الداخل،كان ما يزال يتنفس بصعوبه وكانت دقائق فقط وتنتقل روحه لبارئها وينضم لرفاقة الميامين.
بهدوء أمهات الشهداء وزوجات المناضلين تتذكر السيدة مريم إدريس حكيم رفيقة دربه تلك اللحظات الفارقة في تاريخ الأسرة الصغيرة التي تعيش الآن في مدينة ملبورن باستراليا وتضيف:
“كنتُ في المطبخ أراقب اللحظات الأخيرة لغليان الحليب.. سمعتُ بوق سيارة قريب من الباب، فعرفتُ أن أبو الأولاد قد جاء، إبنتي ذات الستة أعوام حينها كانت شديدة التعلق بأبيها، تركض إليه حين يتناهى إلى أذنيها صوت المحرك، وتدق بيدها باب السيارة، تطلب من أبيها أن يحملها لتدخل معه إلى الدار.. ركضت البنت وتوقفت عند باب السيارة تنادي أباها ولا يجيبها، بكت حين رأت الدم، أخي الأصغر كان ممسكاً بالباب المفتوح على مصراعيه لكي يتيح للسيارة الدخول، هرع نحو السيارة، ورأى الشهيد مضرجاً بدمائه، ركض نحوي يخبرني بالفاجعة، حينها لا أدري أي قوة قذفت بي نحو الخارج لأقف على الحقيقة المذهلة والقاسية”.
أم ليلى مريم إدريس حكيم كغيرها من زوجات المناضلين كان الموت يحُوم حولها ، منذ أرتباطها بالفقيد القائد لذا لم تولول ولم تشق الصدور، أمتصت الصدمة سريعا وقادت اسرتها الصغيرة نحو الغد من أجل كل شهداء إريتريا من جنود وقادة ووطن ومواطنين.
(5)
سيدي القائد ارفع إليك هذا التمام الذي تأخر لـ (35) عاما
كنا اشداء بكم .. وكنتم ببعضكم …اشداء بسوعدكم وصدوركم المشرعة ضد الريح وطهركم الثوري ، وأفئدتكم المشرعة لنا.
خذلكم الرفاق كما خذلونا ودفعوا بنا إلى آتون الجماعات المتناحرة، أفقدونا فعل الجماعة، إلى أفراد ” يحلمون بالتغيير دائماً، ويطالبون به أحياناً، لكنهم لا يستطيعون فرضه ، وهي محنة لا تخفيها أدوات الماكياج ” التي نتجمل بها كما يقول الصادق النيهوم.
(6)
القتلة دائما يتوارون بعيدا عن صفحات التاريخ، ويعيشون كما الحشرات الضارة في الأماكن القذرة والمظلمة والمناضلين النبلاء يعيشون تحت الشمس ويتحركون في قلوب ووجدان شعبيهم وصفحات التاريخ.
المجد والخلود لإدريس هنقلا ووولداويت تمسقن وسعيد صالح وعثمان عجيب وهيلي قرزا ومحمود حسب ومحمود طاوراي ورفاقهم.
الوطن لنا وليس لسوانا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
•شكرا للشاب تمساح إدريس هنقلا الذي سهل كتابة هذه المادة ، ومدني بالكثير من الصور من أرشيف والده الشهيد.
* أجزاء السيرة الذاتية عن موقع :
www.alwafaa-er.com/home/archives/922

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى