ماذا حدث لذاكرة الناشطين والمقاومين الإريتريين في الميديا ؟
بقلم/ إبراهيم أللولا

صحيح أن الشعب الإريتري العظيم، بتضحيات أبنائه، سطّر بطولات ضد أقوى جيش في أفريقيا، وهو جيش الإمبراطور الإثيوبي هيلي سلاسي، من أجل نيل الحرية والاستقلال منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي. ومن ثم تعاقبت الحكومات في إثيوبيا، وكان النهج نفسه من قبل إثيوبيا، وهو الاستيلاء على الأرض وفرض الاستيطان على الشعب.
وبعزيمة لا تلين، وهمم لا تخور، وبتضحيات كبيرة تمثلت في أنهار من الدماء وقوافل من الشهداء، وبعد مضي أكثر من ثلاثين عامًا، نال الشعب الإريتري حريته استحقاقًا مشرفًا شهد عليه العالم أجمع، ونتج عن ذلك قيام الدولة الإريترية الفتية، ورفع علمها ضمن أعلام الدول الحرة.
وكل تلك المراحل يعرفها الصغير قبل الكبير، وهي مدوّنة في الذاكرة الجمعية، ومسجّلة ضمن تاريخ ونضالات الشعب الإريتري الخالدة.
ولكن، على الصعيد الداخلي للدولة الجديدة، وللشعب الذي كان يتوق إلى ميلاد هذا الاستقلال وتلك الحرية، هل نال الشعب الذي احتضن الثورة وكابد من أجلها صنوف العذاب والمعاناة بصيصًا مما يستحق من مردود؟
لا، وألف لا.
بل أضحى الأمر، بعد انفضاض فرحة الحرية والمهرجانات شبه المفتعلة التي دامت لأكثر من عامين، كما لو أنها عرس انفضّ مدعوّه، وذلك نتيجة خطف الثمار، بل خطف الدولة بمن فيها وما فيها، من قبل تنظيم الجبهة الشعبية، الذي تحوّل فيما بعد إلى حزب وحيد باسم «حزب العدالة والديمقراطية»، وهي تسمية بريئة من الحزب كبراءة الذئب من دم يوسف.
وكما نعلم جميعًا، تم تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة رئيس التنظيم، الذي وطّد علاقته مع النظام الحاكم في إثيوبيا، شريكه في المراحل الأخيرة من النضال، وأسقط كل الحقوق والمطالب التي كان ينبغي أن يطالب بها الشعب الإريتري الدولةَ الإثيوبية بها، نظير ممارساتها العدوانية من حرق القرى وقتل الأبرياء، أطفالًا ونساءً وشيوخًا، على مرأى ومسمع من العالم، جهارًا نهارًا.
وفي أرشيف الثورة ما يثبت كل تلك الوقائع، إلا أن حكومة أسياس شطبت كل تلك المطالبات، لتصبح إثيوبيا، بقدرة قادر، دولة صديقة، والنظام الإثيوبي نظامًا شريكًا، حتى تم اعتماد عملة إثيوبيا «البِر» عملةً رسمية للدولة، وأضحت أديس أبابا مصدر المال والأعمال ومركز العلم والعلوم، التي يتوق أسياس إلى نقل حكمتها إليها.
وعامة الشعب الإريتري، والمناضلون، والخريجون الذين توافدوا إلى دولتهم من كل فجّ وصوب، والتنظيمات التي ناضلت وساهمت في تحقيق الحرية، والعلماء والمشايخ الذين كان لهم الفضل في التوعية والحشد، والأمهات اللائي فقدن أبناءهن في مسيرة النضال، وحتى الصغار الذين كانوا يحلمون باللعب في شوارع آمنة، كل هؤلاء مشدوهون مما يحصل.
بل تجمّدت دماؤهم، وتحجّرت دموعهم، وتوقفت عقولهم؛ فهم لا يصدّقون ما يحدث!
كيف يُعقل أن يحرق الثوار ثمرة نضالاتهم؟
كيف يُعقل أن يقطع الأبناء ثدي أمهاتهم اللائي أرضعنهم؟
كيف يُعقل أن يُزجّ بمعاقي التحرير في السجون؟
كيف يُعقل أن يتحول المقاتلون الشرفاء الذين حرروا الأرض والإنسان إلى عمال سخرة بين الأحجار والأشجار؟
كيف يُعقل أن يُنصَّب أعداء الشعب والثورة وزراء للدولة؟
كيف يُعقل إعادة رجال «الدرق»، والمعروفين بـ«الكوماندوس»، من إثيوبيا إلى الدولة الإريترية ليحكموا الشعب الذي ناضل ضدهم؟
والكل صامت: لا حول ولا قوة!
حتى بدأ نظام «هقدف» بتعليق الدستور، الذي طالب بإعداده لكسب الوقت وليس إلا، ومن ثم باشر بفتح العداوات مع الجيران، ابتداءً باليمن، ثم السودان وجيبوتي، لإشغال المواطنين عما يحيكه من مخططات.
إلى أن اصطدم بنظام ملس زيناوي في إثيوبيا، الذي أقرّ، من خلال البرلمان، الحرية العرقية واستقلالية الأقاليم في الحكم المحلي دون الرجوع إلى نظام أسمرا، مما أغضب أسياس؛ لأن هذا القرار كان ضد ما يسعى إليه في الخفاء.
ولمواجهة قرار البرلمان الإثيوبي، افتعل إشعال فتيل الحرب بين البلدين، بزعم الدفاع عن الوطن، دون أدنى مبرر. وكانت تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير.
وبوقوف كل قيادة الحزب ضده، ظهر إلى السطح ما سُمّي بـ«G15». عندها فقط اتضح لأعضاء الجبهة الشعبية أن الحزب هو الآخر تم اختطافه من قبل رئيسه أسياس أفورقي منفردًا.
والكل صامت: «لا حول ولا قوة».
وسياسات السخرة والتهجير القسري والتغيير الجغرافي والديمغرافي تسير على قدم وساق، وفي وضح النهار.
والكل صامت: «لا حول ولا قوة».
وبعد مرور عقود من هذا الاستحواذ على السلطة والثروة والقرار، بل أصبحت فيها الأرض ملكًا لرأس نظام «هقدف»، والإنسان الذي عليها أجيرًا مملوكًا للنظام، ظهرت تباشير تقارب العلاقات بين أبي أحمد، بصفته يرأس حكومة لها مجلس تشريعي وبرلمان، وأسياس أفورقي، الذي يرأس حكومة مؤقتة منذ عقود لدولة ليس لها حتى مؤسسة واحدة تمتلك قرارها.
وكانت تلك العلاقة السريعة، التي حدثت نتيجة تنازلات من طرف أساسي، «سمنًا على عسل»، كما يقولون. وتبادل الطرفان الزيارات، حتى صرّح أسياس أمام الصحافة المحلية والعالمية بأن الشعب الإريتري والإثيوبي شعب واحد ومصير واحد، ومن يقول غير ذلك يكون جاهلًا بالواقع.
وعلى إثر هذه التطورات، نال أبي أحمد جائزة نوبل للسلام.
وبهذه القرارات المأخوذة من قبل البرلمان بالنسبة إلى الطرف الإثيوبي، والمنفردة من قبل أسياس بالنسبة إلى الطرف الإريتري، خطت العلاقات خطوات كبيرة، فُتحت على إثرها الحدود، وتم التنازل عن بادمي، التي راح ضحيتها شهداء، واستحقت دولة إريتريا التحكيم لصالحها في اتفاقية الجزائر.
والكل صامت: «لا حول ولا قوة».
ونتيجة لتطابق وجهة نظر أبي أحمد وأسياس أفورقي في الظاهر، وتعارضها مع مطالب وتطلعات حكومة إقليم تيغراي، ظهر خلاف واضح بين الحكومة الفيدرالية في إثيوبيا وحكومة إقليم تيغراي، مما أدى إلى إشعال الحرب.
وهنا نجد أن نظام أسياس أفورقي ناصر حكومة أبي أحمد، بل تدخل النظام الإريتري بجيشه، وقاتل قتالًا موجعًا للطرف الثالث، أظهرته وسائل إعلام محلية ودولية.
وعلى إثر ذلك، انتصر أبي أحمد في حربه، ولكن عند أول فرصة، وفي اتفاقية بريتوريا بينه وبين حكومة تيغراي، التي توسّط إليها المجتمع الدولي، أنكر أبي أحمد موقف أسياس المساند، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث ألمح إلى اتهام القوات الإريترية بممارسة إبادة جماعية، وهو موقف حكومة تيغراي وشكواها لمحكمة العدل الدولية بالخصوص.
والكل صامت: «لا حول ولا قوة».
عليه، فلمن ليس له حق في سيادة وطنه، ولا نصيب في القرار الذي يخص أمن وسلامة الوطن والمواطن، ولا حتى مجرد طرح وجهة نظره بحرية، كيف له أن يتشدق في الميديا بالسيادة التي لا يعرفها، والوطنية التي نُزعت منه؟
بل إن الوطن بكامله في عهدة النظام، يبيع ويشتري فيه كما شاء، إلى حين إشعار آخر.
خلاصة ما أود قوله هي: حتى في الأسرة الصغيرة، الأب الذي لا يستطيع كبح جماح أبنائه من الإضرار بالأسرة، كيف له أن يطالبهم بالانضباط، أو أن يتحدث عن قوة الأسرة وتماسكها؟ فكيف بدولة كاملة، يُطلب من أبنائها أن يتحدثوا عن السيادة والوطنية، بينما لا يملكون حق المشاركة في القرار، ولا حق التعبير عن وجهة نظرهم بحرية؟.



